السبت، 16 فبراير، 2013

هارب من الماضى


قطرات الماء البارد تنحدر على جسدى تغسل عنه خطايا الإجهاد الأحمق الذى مارسته على عضلاتى طوال الاثنتين وسبعين ساعة الماضية كجلاد يستمتع بتعذيب ضحيته حتى الموت، ثلاثة أيام كاملة بلا نوم أو راحة، حتى فقدت كل ذرة من جهد اطلقته طوال تلك الأيام، لم أجد سوى العمل يصلح كمقبرة لذكريات مؤلمة تجاهد كى تُبقى جذورها فى وعيى ونجحت فى ترك جرحاً فى روحى، حدقت لهذا الوجه المرسوم فى المرآة لثوان شعرت خلالها بالأسى من أجل بقايا الإنسان الذى أراه فى الزجاج المصقول، لففت جسدى بمنشفة وخرجت إلى حجرة النوم كميت ملفوف فى الكفن محمول إلى مرقده الأبدى، استنجد ببقية من قوة تمنع جسدى من الإنهيار على السرير، لكن مقاومتى لجيوش النوم لم تستمر إلا لثوان بدت معها جفونى هزيلة فى مواجهته فسرعان ما سقطت صريع النوم كمن باغتته إغماءة، بعد عشر ساعات كاملة صارعتنى فيها الكوابيس حتى أنهكت عقلى الباطن وأنهكت معه رئتاى اللتان تصارعان لجلب الهواء وجسدى الذى رفض الحركة لنصف ساعة بعد اليقظة، فى النهاية استطعت أن اتحرك من مكانى حتى وصلت إلى الصنبور لأنفض عن وجهى بقايا نوم بدا أقرب لمعركة مع الماضى، جرجرتنى بقية من التعب حتى ألقيت جسدى على الأريكة فى مواجهة التلفاز الذى يصب فى أذنى ترهات لا تنتهى تسيل على ألسنة مجموعة من الحمقى لايفارقون الشاشات أبدا، رتابة دفعتنى للهروب إلى الشرفة ألتمس نسمات من هواء قد ينجح أن يعيد إلى عقلى نشاطه، مدينتى ساحرة ولا شك، تربط من يهبطها بحبل من الشوق فى رقبته إلى الأبد فلا يستطيع منها فكاكا مهما جاهد، أقصى درجات الاستمتاع هى اللحظات التى أراقب فيها المدينة ليلاً من هنا، غجرية لاتهدأ، راقصة لا تتوقف عن التلوى، كادحة لاتعرف الراحة، بائسة، ضعيفة، عنيفة، رقيقة، حنون، تلك هى مدينتى، لكنها كما تزدحم بالسكان، تزدحم بالآلام، تبدو كمحيط تراه من أعلى رومانسياً لكن إن غصت فى أعماقه لوجدت الأسماك الكبرى تلتهم الأسماك الأصغر، التى تلتهم الأصغر فالأصغر، سلسلة طويلة من الضحايا الظالمين، يغتصب بعضهم أحلام بعض، قُتلت خواطرى بنصل حاد من صوت الهاتف المحمول، لعنت مبتكره ألف لعنة وأنا فى طريقى لمعرفة المتصل، أضاءت الشاشة باسمها، ارتجفت أناملى حتى كاد الهاتف يسقط، تسارعت دقات قلبى حتى اشفقت على شرايينى الواهنة، بيد مرتعشة ضغطتُ زر الإجابة وفى دهر كامل سافر الهاتف حتى استقر على أذنى، انساب صوتها خدراً فى جسدى حتى تخلت عن حملى أقدامى فسقطتُ على الأريكة أرتعش، لثوانى رفض لسانى الطاعة وقتل كلماتى قبل أن تصل إلى شفتاى فسقطت من فمى مشوهة لا تحمل معنى، عاد صوتها يسرى فى عروقى يسابق الدماء التى ضربت جدران شرايينى بعنف، هذه المرة تمكنت من أسر لسانى واجبرته أن ينطق بما أردت.
قوى كونية ألقت بى إلى مقهى بأحد شوارع قلب العاصمة الصاخب النابض بلا توقف أو لحظة هدوء، لحظات ولمحتها قادمة من بعيد، لم تتغير طوال سبع سنوات مضت، نفس الملاك الذى كان دومًا، أجبرنى عقلى الباطن أن أرى جناحيها الأبيضان مطويان تحت فستانها الأسود فيشعان نوراً يطغى على المكان، سلمتْ وجلستْ فى هدوء، تبادلنا كلمات لم ينجح أى منها فى عبور أذنى، والسبب ببساطة أن كلمة مما كنت أتمنى سماعها لم تصل إلى أسوار مدينة سمعى، تناثرت الحكايا وامتلئ الفراغ بيننا بالأحرف جُملاً بلا حياة، نظرتُ إلى ساعتى، نصف ساعة إلتهمها الحديث ولم نصل بعد إلى فائدة من اللقاء، اطلقت رصاصة من فمى:
-         لماذا طلبتِ لقائى؟
فقتلت كل الكلمات التى ولدت منذ الأزل، نظرت إلى عينيها فتوارت عنى، آلاف من الأسئلة نهشت عقلى كضباع جائعة تنهش حيوان أحمق لم يبذل جهد كاف للهرب من أنيابها الغادرة، أجبرتنى أسئلتى أن أعيد الحياة إلى لغة الحوار:
-         غريب أن تذكرينى بعد هذه السنوات!!
نظرتْ إلى وجهى فى حيرة:
-         كنت أظنك ستفرح للقائى؟
-         لم يكن كاهلك ليحمل وزر هذه الكذبة لو كانت قبل سنوات سبع.
لاح فى مقلتيها لمعان الدمع، سلاح المرأة الذى لا يقهر مهما استخدمته، ورقتها الرابحة التى تصر دائما على الفوز فى أى ظروف.
-         مات أبى
بحثت فى جعبتنى عن شعور ما لأضعه على وجهى، لكن الجعبة كانت خالية، لم أجد فيها حزناً أو غضب أو راحة أو تشفِ، لم أجد شيئاً على الاطلاق.
-         متى؟ .. كيف؟
-         منذ أيام، قتله كبد امتنع عن العمل فى آخر العمر.
-         تعرفين أنى لا اهتم.
خرجت الجملة الأخيرة من فمى خافتة .. حبلى بمشاعر متناقضة لا تجتمع، خوف، ألم، حزن، خواء فى روحى لم تطرده أفكار عصفت بذهنى كوريقات جافة فى شتاء جامح.
-         ألا يهمك أن تعرف أنى جئت أعيد إليك ما احترقت الجسور بيننا لأجله طوال تلك السنوات.
لماذا تموت الكلمات حينما تولد فى عقلك الأفكار؟، لماذا تنتهى قدرتك على الحديث حينما تبدأ الذكريات فى السباحة فى عقلك؟
قبل أعوام مضت حُرمتَ ميراث أمى لأن زوجها رأى أنه أنفق على تنشئتى ما يزيد على هذا الإرث وها هو يستعيد حقه المسلوب، قبل أن يلتهم القبر جثتها كان قد ألقى بى إلى فك الحياة تغرس فى روحى أنيابها أينما شاءت، صارعت وحدى سنوات حتى أنهكتنى المعارك، حتى أنى لم أعد أذكره وتحول غضبى إلى الحياة وابتعلتنى معركة البقاء بكاملى، إلى أن غفلت عنى الدنيا قليلاً فاقتنصت منها بعض النصر فى وظيفة هامة صعدت إليها بجهد خصم من عمرى سنوات، وقليل من مدخرات تفيد إذا استأنفتُ الحرب مع الحياة من جديد.
-         هيه .. إلى أين ذهبت؟
-         ......
-         على كل الأحوال أنا انتظرك فى أى وقت لننهى الإجراءات القانونية حتى تستعيد أرثك القديم.
-         رغم أنك ابنته إلا أن هناك ملاك يسكن روحك.
-         امازلت ترانى ملاكاً؟
-         تعرفين قدرك عندى.
-         وأنت تعرف ما الذى كنت تعنيه لى طوال سنوات ضمتنا فيها جدران بيت واحد، تمنيت ألف مرة لو أنك لم تبتعد، وتمنيت ألف مرة لو أن أبى لم يتزوج أمك حتى لا أقابلك، تمنيت ألف مرة ألف أمنية، لكن أى منها لم يتحقق.
-         كنتِ اللمسة الحانية الوحيدة التى عرفتها غير أمى قليلة الحيلة.
-         هل تسامحه؟
-         توقفت عن بغضه منذ زمن، كانت فى حياتى معركة أهم .. معركة البقاء.
-         على الأقل اطلقها من بين شفتيك حتى يرتاح فى قبره.
كانت نيران الغضب قد انطفئت منذ أمد لكن رمادها مازال ينتظر الاشتعال من جديد، روحها التى سكنت قلبى لسنوات كانت كماء بارد غمر هذا الرماد، ملامحها التى ارتسمت أبد الدهر فى عينى منعتنى أن أرى سواها، لايمكن أن تسكن قلبى كراهية طالما أنتِ فيه.
-         اسامحه.
منحتنى نظرة طويلة أرسلتْ معها آلاف من الكلمات، عبر العيون دار بيننا حديث طويل، لم يعد للوقت قيمة، تلاشى المكان من حولنا، اختفت كل الأصوات، تاهت الحواجز بين (أنا) و (هى) واختفت كلمة (نحن) لنصبح كيان واحد، لا يهم كيف نسميه أو ماذا نطلق عليه المهم أننا نندمج معاً فى حالة لانعرف فيها حدود جسدين أو روحين أو قلبين .. نتحول إلى جسد وروح وقلب تغمره المتعة والسعادة والانشراح .. وحينما نعبر جسر الحدود والمسافات ونصل إلى مرحلة الكيان الواحد ننسى كل شيء حولنا .. ونذكر فقط .. أننا فى لحظة حب حقيقية يجب أن نمتص كل رحيقها، لم تفلح السنوات السبع الغابرة فى محو هذه المشاعر.
أخيراً تحركت شفتيها:
-         أتتزوجنى؟