‏إظهار الرسائل ذات التسميات إثارة وتشويق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إثارة وتشويق. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 14 أغسطس 2011

المصعد

يصيبنى الرعب الدائم عند استخدام المصعد، فأنا أخشى دائما وأبداً أن يسقط بى وأموت بهذه الطريقة، ركبت المصعد هذه المرة وقلبى يكاد يقفز من حنجرتى من الخوف لكن سيدة مسنة لحقت بى داخل المصعد جعلتنى اطمئن لوجودها، بين الدورين الرابع والخامس انقطع التيار الكهربائى عن العمارة وتوقف المصعد أمام الحائط وساد الظلام فى المكان الضيق، شعرت أن الكون ينهار فوق رأسى وزاد من رعبى أن السيدة بدأت فى البكاء والنحيب، أخذت أدق بعنف على جدران المصعد حتى يسمعنا أحد ويسعى لإنقاذنا ... بعد لحظات سمعت أصوات تتجمع وتحاول فعل أى شيء لاخراجنا من المصعد ... كان الأمل فى الخروج يريح أعصابى بعض الشيء لكن نحيب السيدة المسنة كان يعيد إلىٌ رعبى وتوترى ... صرخت فيها بكل قوتى (اصمتى ايتها المرأة أنت تثيرين أعصابى) صمتت بالفعل وبعد قليل تحرك المصعد قليلا إلى اسفل بفضل جهود الناس التى تحاول انقاذنا حتى استطاعوا تحريك المصعد ليصل إلى جزء من الباب وفتحه ... نظر أحدهم إلى الداخل ومد يده لإخراجى فطلبت منه مساعدة السيدة المسنة أولاً ... سلط المصباح إلى داخل المصعد ثم سألنى (أين هى هذه السيدة؟) نظرت حولى على ضوء المصباح فلم أجد أحداً غيرى فى المصعد ... فى ثوانى غامت بى الدنيا وسقطت فاقد الوعى.

الثلاثاء، 16 سبتمبر 2008

الاعترافات



صرخات تتعالى من حولها ... البعض يهرول والبعض يحاول الاقتراب والبعض أصابه الذهول ... مازالت المدية بيدها مخضبة بالدماء ... وجثمانه مسجى أمامها وقد نزف حتى الموت.

* - * - *

كلماته المعسولة انتزعت قلبى من مكمنه ليصبح أسيراً لديه ... سلمت مشاعرى له بأسرع مما تخيلت أن يحدث ... كانت رقته وحنانه ملاذاً لى من لطمات الحياة القاسية فكان حبه لى الملجأ الذى أنعم فيه بالراحة.

* - * - *

نظرت إليها وهى تجلس بالقرب منه ووجهها يشوبه الهدوء ... أمر غريب أن تكون قاتلاً ويرتسم على وجهك كل هذا الهدوء ... عاينت مسرح الجريمة واتخذت الإجراءات المعتادة.

* - * - *

كان موعد لقائه هو العيد الذى أنتظره ... نظراته ... كلماته ... همساته ... كلها كانت الدواء الذى يشفى جروح عمرى بأكمله.

* - * - *

اقتادها الجنود إلى القسم لتعرض أمامى لأخذ أقوالها فلم تقاوم بل كانت هادئة تماماً ... نظرت إلى وهى تسير بينهم وكانت عينيها بلا حياة.

* - * - *

تزوجنا ... كانت قمة السعادة تحت أقدامى.

* - * - *

جلست أمامى صامته وأنا أحاول أن أحصل منها على كلمات أتمم بها أوراقى.

* - * - *

مر العام الأول على زواجنا فقررت أن اشترى له هدية لأفاجئه بها الليلة ... لمحته يقود سيارته وبجواره امرأة أخرى يتضاحكان وهى تميل على كتفه... تتبعتهما بسيارة أجرة.

* - * - *

ظلت مصرة على الصمت وأنا أحاول أن أشرح لها مساوئ ذلك على موقفها بالقضية ... كم هى محيرة وغامضة هذه القاتلة ... لماذا تصر على الصمت ... لماذا تكتسى ملامحها بالهدوء.

* - * - *

توقفت سيارته أمام إحدى الفيلات بحى هادئ على أطراف المدينة ... هبطا معاً وسارا متشابكى الأيدى حتى باب الفيلا ... فتح الباب وتبعها إلى الداخل وهو يبتسم.

* - * - *

قررت أخيراً أن تتكلم ... وجلست استمع إلى كلماتها وكلى شغف لسبر أغوار الحقيقة.

* - * - *

تسللت داخل أسوار الفيلا ... رأيتهما فى الردهة متعانقان ... غامت الدنيا فى عينى وهو يقبلها ... شعرت بدوار شديد حينما حملها على ذراعيه وصعد بها السلم الداخلى.

* - * - *

بدأت الحديث بكلمات غير مفهومة بعد أن احتل البكاء صوتها وملئت الدموع وجهها... حاولت تهدئها حتى أفهم ما تقول.

* - * - *

عدت إلى المنزل فى حالة انهيار تام ... حينما سمعت صوت سيارته يقترب هرولت إلى باب العمارة وانتظرت خروجه من السيارة.

* - * - *

أخيراً بدأت الحكاية ... وكان كلامها كله بعيد عن الجريمة التى ارتكبتها.

* - * - *

ما أن هبط من السيارة حتى اقتربت منه وأنا أسأله عنها ... أجابنى ببرود إنها زوجتى الجديدة وعليك أن تتعايشى مع ذلك.

* - * - *

كانت تحكى عنه فقط وبدأت الحكاية قائلة ...

كلماته المعسولة انتزعت قلبى من مكمنه ليصبح أسيراً لديه ... سلمت مشاعرى له بأسرع مما تخيلت أن يحدث ... كانت رقته وحنانه ملاذاً لى من لطمات الحياة القاسية فكان حبه لى الملجأ الذى أنعم فيه بالراحة.

* - * - *

أخرجت من بين ملابسى سكين المطبخ وانهالت عليه الطعنات.

الخميس، 24 يوليو 2008

السينما (فيلم المفاجأة)





إنه الفن السابع الذى ألهب خيال الملايين منذ قرن من الزمان صعد بالبعض إلى عنان السماء من شهرة أو مال وهبط بآخرين إلى الحضيض حينما فشل فى التعلق بأذياله لقد شكل هذا الفن وجدان ملايين البشر عبر رحلة امتدت مائة عام أو يزيد قليلاً كان السبب فى خير أصاب البعض كما كان السبب فى شرور عدة أصابت آخرين وأعتقد أنى أشهد الآن واحداً من شروره التى تصيب الناس والسبب هو ذلك الفيلم المعروض الآن بإحدى دور العرض والتى كانت منذ شهر واحد فقط واحدة من دور العرض التى لا تلقى إقبالاً من الجماهير فأصبحت الآن الوحيدة التى يتهافت عليها الناس فى مدينتنا الضخمة وقبل أن أخبركم بالسبب أود أولاً أن أخبركم عن صاحب دار العرض هذه.
إنه رجل لا تاريخ له ظهر فجأة إلى حياة الناس فقبل أن يشترى هذه السينما لم يكن أحد يعرف عنه شيئاً وكل ما قيل عنه يبدأ فقط منذ اشترى هذه السينما ولا أحد يعرف عنه شيئاً قبل هذا كما أنه رجل أقل ما يوصف به أنه غريب حقاً فلا أحد يدرى أين يعيش ولا أحد يدرى إن كان له عائلة أم لا والأسوأ هو أنه لم يشاهد قط من قبل أى إنسان خارج هذه السينما حتى أن البعض قد رجح أنه يعيش داخل حجرة مكتبه القابعة أعلى دار العرض وهو دائما يرتدى نفس البذلة السوداء الحالكة ذات القميص الأبيض الناصع ورباط العنق القصير ذو اللون الأحمر القانى أما بشرته فهى بيضاء تماماً كأنما لم يتعرض للشمس قط أشيب الشعر كأنما بلغ من العمر أرذله ورغم هذا فهو يبدو دائماً موفور الصحة وأجمع من رأه أنه لا يبتسم قط هذا هو الرجل الذى أحدثكم عنه.
أما دار العرض نفسها فكانت من قبل واحدة من تلك الدور التى لا تلقى قبولاً من الجماهير ورغم أن حالها لم يتغير كثيراً منذ اشتراها هذا الرجل إلا أنها أصبحت الآن دار العرض الوحيدة التى تجتذب المشاهدين وهى تعرض الفيلم الذى دفعنى للكتابة الآن فهذا الفيلم حينما عرض فى دور عرض أخرى لم يستمر عرضه سوى يومين اثنين فقط حتى أن إحدى قاعات العرض رفعته بعد العرض الأول وأجمع النقاد الذين شاهدوه أنه لا يمكن أن يصنف على أنه فيلم بالأساس أو أنه ينتمى لعالم الفن أصلاً فما الذى دفع بهذا الفيلم إلى الصف الأول رغم أنه لا يعرض إلا بدار عرض واحدة؟ ... إنها الشائعات ... الشائعات هى التى تغير من أراء الناس واتجاهاتهم فقد أشيع أن من يدخل الفيلم فى هذه الدار تحديداً فإنه يرى وجهه بوضوح بين وجوه المجاميع هائلة العدد التى تظهر فى عدة مشاهد من الفيلم ومما غذى سريان هذه الشائعة أن بعضهم (وربما كانوا من المأجورين) قد أقسم أن وجهه قد ظل معروضاً على شاشة العرض بين وجوه الكومبارس لمدة قاربت على دقيقة كاملة وأنه كان يرى ملامحه بكل وضوح وقد قال آخر أنه ذهل تماماً حينما رأى وجهه على الشاشة رغم أنه كان مسافراً إلى إحدى الدول العربية ولم يعد إلا هذا الأسبوع فقط مما يستحيل معه احتمال تصادف وجوده فى مكان تصوير أحداث هذا اللغو الذى يطلق عليه فيلم سينمائى، هذه الشائعة التى سرت بين الناس سريان النار فى الهشيم دفعت الآلاف من البشر للتزاحم أمام دار العرض الغريبة هذه وهو ما شجع إحدى دور العرض لعرض الفيلم مرة أخرى فى قاعتها الرئيسية إلا أن أى من مشاهديه لم يحدث معه ما حدث مع الدار الأخرى أبداً فتم رفعه من العرض مرة أخرى.
وأكثر ما يثير حنقى هى تلك اللوحة الهزلية التى يعلقها صاحب دار العرض أمام الباب وكتب عليها باللون الأحمر والأرضية السوداء "قبل أن تخطو إلى الداخل عليك أن تستعد للمفاجأة" وهى تستثمر بشكل أو بآخر تلك الشائعة كما تستثمر اسم هذا الفيلم الأحمق والذى سماه صانعوه "المفاجأة".

أمر غريب يحدث فى هذه الدار ... فهل هناك من يكشف عنه اللثام؟
كان هذا نص المقال الذى كتبته ونويت أن أرسل به للمطبعة كى ألحق الطبعة الأولى لكن خبراً تم بثه من دقائق معدودة جعلنى أأجل إرساله لحين معرفة ما تسفر عنه الأمور، كان الخبر يقول أن خبير الخدع السينمائية الشهير حسام الشاذلى (الذى عمل لفترة طويلة فى استوديوهات هوليود مع أعظم مخرجيها وعاد منذ عامين ليستقر هنا) كان هذا الخبير يعلن رفضه المطلق لمثل هذه الشائعة وأنها لا تخرج عن كونها خدعة متقنة بشكل ما من أحدهم وأنه سيذهب بصحبة بعض أرقى الخبراء فى مجال البصريات وعلم النفس والسينما والأشعة بصفته خبير فى الخدع السينمائية ومعهم أدواتهم لكشف زيف الخدعة التى يتعرض لها جمهور هذا الدار وأنه يتحدى صاحب دار العرض أن يدعوهم لإجراء هذه التجارب، وفى صباح اليوم التالى كان الخبر يتصدر صفحات كبرى الجرائد اليومية من مختلف ميولها (سياسية – أدبية – رياضية فضلاً عن الفنية حتى أن الأمر تخطى حدود الوطن إلى جرائد الدول العربية المختلفة) وحتى صباح اليوم التالى لم يصدر عن صاحب دار العرض أى تعليق كل ما حدث أن مدير دار العرض صرح تصريح مقتضب لإحدى الصحف المغمورة قليلة الانتشار بأن ما يحدث فى دار العرض لا يعرف عنه شيئاً وأنه لا يملك أى معلومات للنشر حول هذا الصدد وكان هذا التصريح الصغير كفيلاً بأن يرتفع توزيع الصحيفة المغمورة إلى أرقام فلكية فى هذا اليوم وهو ما آثار حفيظة حسام الشاذلى الذى كرر تحديه مرة أخرى وهو أكثر ثقة بنفسه عن ذى قبل وانتظر الجميع ما قد يسفر عنه هذا التحدى ولكن هذا لم يمنع أو يخفف الزحام الغير عادى أمام باب دار العرض التى أعلنت عن فتح أبوابها 24 ساعة للجماهير لمشاهدة الفيلم كما لو كانت تتحدى المشككين فى الأمر، أما صناع الفيلم أنفسهم فلم يتكلم أحد منهم للصحافة أو الراديو أو التليفزيون أو حتى مواقع الإنترنت ولا بحرف واحد بل احتجبوا جميعاً عن الأنظار تماماً واصبح من الصعب جداً إن لم يكن من المستحيل أن يصل إليهم صحفياً أو مذيعاً حتى أن منتج الفيلم ومخرجه قد سافرا إلى خارج البلاد حتى تنتهى هذه الزوبعة المحيطة بالفيلم وهو أمر مريب آخر فهى فرصة لصناع الفيلم وممثليه للظهور أمام عدسات الكاميرات والصحافة ليزدادوا شهرة وثراء لكن أى من هذا لم يحدث أبداً ... فقط صمت مريب سيطر على الوضع وهو ما دفع مزيد من الجماهير إلى محاولة الحصول على تذكرة دخول العرض بأى ثمن وهى فرصة لم يفوتها البعض فارتفع ثمن التذكرة من عشرة جنيهات إلى مائة جنيه فى ثلاثة أيام فقط إلا أن الزحام لم يتأثر أبداً فقد أتى الجميع بين مصدق للخبر ويريد أن يرى وجهه على شاشة العرض وبين متشكك جاء ليتأكد بنفسه وبين مكذب جاء ليفضح الكذبة ولهذا وجدت الصحافة والتلفزيون مقراً دائماً لها أمام باب دار العرض لمحاولة الحصول على تصريحات من الجمهور بعد خروجه لكن التصريحات تضاربت تماماً فهناك من أكد الخبر وأقسم على ذلك وهناك من نفاه تماماً وهناك من قال أنه رأى من يشبهه بين جموع الكومبارس دون أن يتأكد إن كانت هذه ملامحه فعلاً أم لا وعلى هذا لم نحصل بعد على إجابة شافية بالمرة ... فكل شيء متعلق بهذه الشائعة تجده ضبابياً ولا يوحى بحقيقة قاطعة ... أغرب ما شدنى لهذه الحكاية هو موقف الجهات الرسمية التى أجمع كل مسئولوها على رفض التعليق على الأمر رغم أن حالة البلبلة هذه مستمرة لشهر كامل حتى الآن كما لو أن الأمر يحدث فى بلد آخر غير البلد الذى هم مسئولين فيه.
أخيراً ظهر صاحب دار العرض بعد خمسة أيام من الصمت المطبق ليعلن أن ما يحاوله حسام الشاذلى لن يؤثر إلا عليه وطاقمه بالسلب وينصحه ألا يقدم على ما أزمع القيام به ورغم ذلك فهو يرحب به هو ومن أراد من فنيين أو خبراء للحضور لاستجلاء الحقيقة والتى زعم صاحب دار العرض فى تصريحه أنه حريصاً عليها كحرصنا جميعاً، وهنا جن جنون حسام الشاذلى وأعلن أنه سيزور دار العرض الليلة ومعه طاقم كامل لكشف الحقيقة سواء كانت شائعة أم خداع بصرى أو أى شيء آخر فإنه سيعلن نتيجته بكل شجاعة وبكل صراحة.
وفى المساء احتشد آلاف من البشر أمام باب دار العرض وآلاف أخرى من ناقلى الأخبار سواء لصحف أو تلفزيونات أو مواقع الانترنت أو حتى هؤلاء الفضوليين والمتطفلين وهكذا تحولت المنطقة التى تقع بها دار العرض إلى ما يشبه يوم الحشر وما أن ظهرت السيارات التى تقل حسام الشاذلى ومعاونيه ومعداته حتى انقضت عليهم الصحافة والتليفزيون للحصول على تصريح منه لكن علامات الحزم والجدية المصاحبة للصمت المطبق منه ومن معاونيه صرفت عنه هذا الحشد حتى دخلوا إلى قاعة العرض والكل يأمل أن ينجلى غموض هذا اللغز الليلة سواء بتأكيد الظاهرة ومن ثم البحث عن أسبابها ومحاولة الاستفادة من نتائج البحث بعد ذلك أو بنفى الظاهرة تماماً ومن ثم البحث عن مصدر الشائعة أو منفذ الخدعة لمحاسبته على هذه البلبلة التى سرت بين الناس طوال شهر كامل.
واستمر وجود هذا الحشد أمام باب دار العرض لمعرفة الأخبار عند انتهاء الفريق من أبحاثه بهذا الشأن ... لكن لا أحد يعلم ما الذى حدث هذه الليلة على وجه اليقين فقد أجمع الآلاف المتواجدين أمام باب دار العرض على نفس الرواية وهى "أنه بعد بدأ العرض بحوالى ثلاث دقائق سمعوا صرخات مدوية تنم عن فزع شديد صادرة من داخل دار العرض مصحوبة بأنوار باهرة جداً حتى أن كل الحشد المتواجد أمام باب دار العرض قد أغمض عينيه من شدة الإضاءة حتى هؤلاء المتواجدون على مسافة بعيدة من دار العرض ثم اختفى الضوء فجأة وساد صمت ثقيل على المكان ولم يجرؤ أحد على الدخول إلى دار العرض إلا ثلاثة أو أربع شبان هرولوا إلى داخل دار العرض بعد أن ساد الظلام بداخلها وكانت هذه هى المرة الأخيرة التى شوهدوا فيها على الاطلاق فلم يكرر أحد هذه الفعلة إلا بعدما وصلت قوات الشرطة التى فرضت حصاراً شديداً على المكان وأبعدت المحتشدين تماماً" ولمدة ثلاثة أيام متواصلة كان التعتيم على ما حدث هو سيد الموقف وكان التصريح الوحيد الذى أدلى به أحد المسئولين من الشرطة خلال هذه الأيام الثلاثة "أن الأمر ما زال فى إطار البحث والتقصى عن الحقائق وأن المكان سيظل مغلقاً لحين الوصول إلى نتائج" وبعد هذه الأيام الثلاثة خرج أحد المسئولين بتصريح مقتضب أشار فيه إلى أن الجهات المعنية تعتبر الأفراد الذين تواجدوا فى دار العرض هذه الليلة فى عداد المفقودين وأنها ستغلق هذه الدار تماماً وتمنع الدخول إليها مع مصادرة كل النسخ الخاصة بالفيلم المعروض وقتها ومنعها من العرض وكذلك ستمنع القائمين على هذا الفيلم من السفر لحين الوصول إلى نتائج نهائية فى هذا الشأن.
بعد شهر آخر من هذه الأحداث أغلقت جهات التحقيق هذا الملف وأمرت بهدم دار العرض وإعدام نسخ الفيلم واعتبرت أن ما حدث أمر لم تتمكن جهات التحقيق من جلاء سره، وهكذا أصبح الأمر من الأمور الغامضة التى لم تجد لها حلاً أبداً وإن كنت أعتقد أن هذا الأمر سيخلف من وراءه زوبعة تمتد لزمن بعيد قادم.
القاهرة 15 من أكتوبر 2013
عثر على هذه الأوراق ضمن مذكرات الصحفى المرموق (يوسف إسماعيل) بعد أن أبلغ ذويه عن اختفائه الغامض منذ عدة أيام ولا يزال التحقيق مستمراً حول واقعة اختفائه.

السبت، 14 يونيو 2008

لا تفتح التابوت

(لا تفتح التابوت، فسيذبح الموت بجناحيه كل من يجرؤ على إزعاج الفرعون)
_____________________________________________________
ألف مبروك يا دكتور حسام على العيادة الجديدة، بهذه الكلمات هنأت صديقى الدكتور حسام على عيادته الجديدة التى افتتحها فى منطقة الأهرام والتى هى فى الحقيقة عبارة عن فيلا صغيرة قديمة اشتراها حسام مؤخراً واتخذ الدور الأرضى منها عيادة واتخذ الدور العلوى مسكناً له.
أجابنى مبتسماً: الله يبارك فيك يا يوسف، أتفضل اشرب العصير. تناولت منه كوب العصير مبتسماً وتبادلنا بعض عبارات المجاملة الرقيقة ثم انسحب للترحيب بباقى ضيوفه، توجهت إلى النافذة لأطل منها فوقعت عينى على الأسطورة الخالدة أبد الزمان "هرم الملك خوفو" أو الهرم الأكبر كما يفضل البعض تسميته وسرحت مع المنظر الخلاب حول عظمة الحضارة الفرعونية ... انتزعتنى من أفكارى ربتة خفيفة على كتفى، التفت لأجد حسام يقول لى مبتسماً: طبعاً واقف تتغزل فى الهرم !! والله يا أخى الفراعنة دول هايكلوا دماغك ... يا بنى خلاص ده كان زمن وعدا خلينا بقى فى حياتنا.
ابتسمت وأنا أقول: هما صحيح زمن وعدا لكن سحر الزمن ده هايفضل عايش طول العمر، وكفاية إن محدش قدر يوصل لسر بنا الهرم ده ولا سر التحنيط مثلاً.
حسام: أنا عارف إنى مش هاخلص معاك فى حكاية الفراعنة ولو إنى شايف إن مافيش إعجاز يعنى إنك ترص كام حجر على بعض فيبقى معبد أو مقبرة أو هرم.
بدا نوع من الغضب الخفيف على وجهى وأنا أقول له: لو كان مافيش إعجاز إنك ترص كام حجر على بعض فيبقى هرم أو مقبرة يبقى فى إعجاز كبير إن الكام حجر دول يفضلوا مرصوصين فوق بعض كده آلاف السنين فى الوقت اللى فيه ملايين من المبانى على مختلف العصور ما قدرتش تستمر 200 – 300 سنة. شعر حسام بالحرج جراء هجومى المباشر على كلماته فابتسم معتذراً: خلاص يا سيدى أنا آسف، الفراعنة دول أعظم ناس فى الكون، بس أنت ماتزعلش. وهكذا أغلق حسام باب النقاش فى سرعة ودبلوماسية ولأن حسام صديقى العزيز منذ سنوات طويلة فلقد تناسيت الموقف سريعاًُ.
مرت عدة أيام دون أن ألتقى بحسام حتى اتصل بى مساء أحد الأيام وطلب منى أن أمر عليه فى العيادة لنخرج قليلاً بعد أن ينتهى من الكشف على مرضاه، وبالفعل ذهبت إليه وأمضينا معاً وقتاً قليلاً بالعيادة ثم خرجنا لنستقل سيارته وما أن رأى حسام السيارة حتى انتابه غضب شديد إذ كان زجاج السيارة الأمامى ملوثاً بشدة باللون الأحمر وحينما اقتربنا من السيارة تبين أن الموجود على الزجاج ما هو إلا كلمة ... كلمة واحدة كانت كفيلة بإثارة حسام إلى أقصى حد ... "لا تفتح التابوت" كانت هذه هى الكلمة التى كتبت على زجاج السيارة باللون الأحمر وأخذ حسام يسب ويلعن أطفال الحى الذين لا يكفون عن العبث بسيارته بأشكال عدة، دخل حسام السيارة ليبحث عن شيء يمسح به العبارة المكتوبة وهو يقول "كل عيل هنا فاكرلى نفسه أخناتون ... تابوت إيه وزفت إيه اللى افتحه ... عيال شياطين" وخرج من السيارة حاملاً بيده فوطة صفراء ليمسح بها الزجاج وما أن بدأ فى مسح الزجاج حتى تراجع إلى الخلف فاغراً فاه كمن أصابه الذهول وهو يحدق فى زجاج السيارة دون أن ينبث ببنت شفه دققت النظر إلى زجاج السيارة لتصيبنى الدهشة أنا أيضاً ... فقد كانت الكلمات مكتوبة بالـ ... دم.
أفاق حسام من صدمته وهو يصرخ "هى حصلت يا ولاد الـ .... "حذفت العبارة لأسباب أخلاقية" ... تلاقى حد فيهم دابح حاجة والشياطين دول عملوا كده فى عربيتى بدمها" وأخذ يصرخ ويهدد أشخاص غير مرئيين وهو فى ثورة لا تتناسب مع اقتناعه بأن هذا عبث أطفال.
بعد أن قام بتنظيف الزجاج دخلنا السيارة وحينما حاول حسام إدارة المحرك لننطلق إلى وجهتنا ... رفض المحرك الاستجابة تماماً ولم تصدر منه أى حركة ... عاود الغضب يسيطر على حسام من جديد ... حاولت تهدئته وإعادته إلى الفيلا مرة أخرى ... جلس على مكتبه وهو يلهث من شدة الغضب ... بادرته قائلاً " مش شايف إن الثورة دى كلها غريبة شوية؟" نظر إلىَ كمن لا يعى السؤال فاستطردت "قصدى يعنى مش شايف إن غضبك ده كتير على شوية عيال لعبت فى العربية ... وخلاص عدت الحكاية" رد ومازال شيء من الغضب يسكن عينيه "أصلها مش أول مرة ... كأن ما فيش عربيات فى الشارع غير عربيتى أنا ... أول مرة رسموا تعبان على الكبوت... تانى مرة رموا على العربية بقايا طائر مذبوح ... ودى تالت مرة وكمان العربية عطلت" قلت له " يا سيدى ولا يهمك عيال بقى" واستمر بيننا الحديث حتى ذهب بنا الكلام إلى أشياء عدة ... انتهت السهرة ونهض حسام لتوصيلى إلى الباب ... وما أن فتح الباب حتى انتابه ذهول شديد هذه المرة ... فقد كتب على الباب بالدماء أيضاً عبارة "لا تنتهك حرمة الموتى" ... كانت الدماء لا تزال تسيل على الباب ...وقفنا والحيرة تلفنا ... هرول حسام إلى الشارع عله يجد من كتب هذه الكلمات ... أخذ يتلفت فى كل الاتجاهات لكنه لم يعثر على أحد ... وقفت أتأمل الكلمات "لا تنتهك حرمة الموتى" وتذكرت الكلمات التى كانت مكتوبة على السيارة "لا تفتح التابوت" وتذكرت أمر الثعبان الذى رسم من قبل على السيارة والطائر المذبوح ... هل بينها رابط ما؟ ... بادرنى بقوله "شايف" وهو يشير إلى الكلمات المكتوبة على الباب ثم أردف "موتى إيه بس اللى أنا إنتهكت حرمتهم؟" هززت رأسى له والحيرة تملئ عقلى سرت إلى حيث يقف ... حاولت أن أجد كلمات ما لتواسيه لكنى فشلت ... لفنا الصمت لبرهة ... كانت الساعة تشير إلى ما بعد الثانية صباحاً وبعد كلمات قصيرة عدت إلى المنزل وأنا فى حيرة من أمرى "هل هذا حقاً من عبث الأطفال؟ ... ومن أين للأطفال بهذه العبارات؟" عدة تساؤلات ظلت تدور برأسى و ... وسرعان ما خطفنى النوم ولكن الكلمات ظلت تطن فى رأسى حتى وأنا نائم "لا تفتح التابوت ... لا تنتهك حرمة الموت ... الثعبان ... الطائر المذبوح" ... بعض الخيالات الغير واضحة ... كلمات بلغة غير مفهومة ... فزعت من نومى بعد الرابعة فجراً بقليل ... لقد تذكرت هذه الكلمات ... لقد كتبت على مقبرة توت عنخ آمون ... لا تنتهك حرمة الموتى ... لا تفتح التابوت، فسيذبح الموت بجناحيه كل من يجرؤ على إزعاج الفرعون ... نعم ... إنها هى نفس الكلمات ... لكن ما علاقة حسام بكل هذا ... هرعت إلى الهاتف لأطلب رقم حسام ... صوت الجرس لا ينقطع ... لا يجيبنى أحد ... كررت المحاولة ربما كان نائماً ... وأخيراً جائنى صوته ملئ بالنعاس "ألو" ... "حسام ... أنا فهمت إيه الحكاية ... أنا جايلك حالاً" وأغلقت الهاتف دون أن أنتظر منه رد ... هرولت إلى سيارتى وانطلقت بها إلى فيلا حسام ... وصلت أخيراً ... كانت الأنوار مضاءة فى الدور السفلى ... اقتربت من الباب ... كانت العبارة موجودة مرة أخرى ... مكتوبة بالدماء أيضاً ... كانت كاملة هذه المرة ... لا تنتهك حرمة الموتى ... لا تفتح التابوت، فسيذبح الموت بجناحيه كل من يجرؤ على إزعاج الفرعون ... طرقت الباب وحينما فتحه حسام والحيرة تملئ وجهه ... بادرته قائلاً ... إنت أزعجت فرعون ... نظر إلىَ كمن ينظر إلى مجنون ثم قال "فرعون إيه يا جدع أنت ... أنت مخبول ولا حاجة ... لم أرد بل أخذته إلى الباب ليقرأ العبارة الجديدة ... يبدو أنه اعتاد الأمر فذهوله هذه المرة أقل ... شرحت له أن هذه العبارة كانت مكتوبة على قبر الملك توت عنخ آمون و كيف أن كثير من حوادث الموت الغامض اختطفت عدد كبير من المشاركين فى العمل بالمقبرة نتيجة عدم أخذهم هذه العبارة على محمل الجد وأن مثل هذه الحوادث تكرر بعد ذلك عدة مرات فى ظروف مشابهة ... فغر حسام فاه كأنما لا يفهم شيئاً ... قلت له "يا إما فى مقبرة تحت فيلتك أو إنك وقعت على مومياء بالصدفة أو أى حاجة تخص فرعون من الفراعنة" ... انتفض كمن تذكر شيئاً هاماً وهرول إلى داخل الفيلا ... هرولت خلفه ... وصل إلى قبو الفيلا وهو يصيح "هنا ... هنا المشكلة كلها" لحقت به ... كان يبدو أن هناك أعمال حفر تمت فى هذا القبو فى الفترة القريبة ... سألته "إيه ده؟" قال أنه لاحظ منذ عدة أيام وجود تسرب للمياه فى القبو فظن أن ماسورة المياه الرئيسية قد ثقبت ولهذا أحضر بعض العمال لإصلاحها ولكنهم بعد أن انتهوا من العمل فى اليوم الأول لم يعودوا لاستكماله وهو ما تزامن فعلاً مع الحوادث الغامضة التى كان يظنها شقاوة أطفال ثم سألنى "طب والعمل إيه دلوقت؟" فأجبته على الفور يجب إبلاغ الشرطة وهيئة الآثار أننا نشتبه بوجود مقبرة تحت فيلتك" أجاب على الفور "ما حدش ها يهتم لو قلنا نشتبه دى ... وبعدين دول ممكن ينزعوا ملكية الفيلا" قلت له "طب وناوى تعمل إيه؟" أجابنى والقلق فى عينيه "أخاف لو الآثار جت فتحت المقبرة إن اللعنة دى تفضل تطاردنى لأنى سبب فتحها... أنا أحسن حاجة أردمها تانى وأبيع الفيلا وأحاول أنسى الموضوع ده من أصله" صرخت فى وجهه "تردم عليها !!! ... مستحيل طبعاً الآثار لازم تاخد علم بالحكاية دى" قال لى "طب استنى لما أبيع الفيلا الأول علشان أضمن الفلوس اللى دفعتها فيها على الأقل" صرخت فى وجهه "مش ممكن طبعاً" ثم هرولت إلى الباب وأنا أصرخ "أنا لازم أبلغ البوليس" ... توقفت خطواتى أمام باب سيارتى وأنا فى ذهول تام ... فقد كانت العبارة الملعونة مكتوبة هذه المرة على زجاج سيارتى أنا ... وبالدماء أيضاً ... لا تنتهك حرمة الموتى ... لا تفتح التابوت، فسيذبح الموت بجناحيه كل من يجرؤ على إزعاج الفراعنة ... وفوق السيارة كان هناك عدد من ثعابين الكوبرا تصدر فحيحاً مخيفاً وهى تزحف نحوى.

الأحد، 8 يونيو 2008

تم تعديل نهاية قصة رجل الأحلام بناء على طلب العديد من الأصدقاء لذا أرجو أن أعرف رأيكم فى النهاية الجديدة

الأربعاء، 21 مايو 2008

رجل الأحلام

رجل الأحلام

المكان: ميدان رمسيس
الزمان: منتصف ال..... (عفواً ليس منتصف الليل كما توقعتم بل هو منتصف النهار) الزحام يفوق الوصف وكأن كل المصريين يسيرون الآن فى هذا الميدان، ليس من عاداتى مطالعة وجوه السائرين لأنها غالباً تحمل انطباعا عاماً واحداً مع قليل من الاستثناءات، لكن وجهه هو جذبنى إليه حوالى عشرة أمتار تفصلنى عنه يسير فى الاتجاه المضاد لذا كان من السهل أن أرى وجهه.
غريب هو هذا الوجه لا يحمل انطباعاً ما أو لوناً محدداً كما لو أنه منحوت من صخر يسير بسرعة وثقة شديدة ... لا يحيد فى خطواته إنما يفسح الآخرون الطريق أمامه ولا أدرى ما السبب ... لا ينظر لشيء محدد بل يسير كالضرير الذى يحفظ الطريق، لكنه ليس كذلك بل هو مبصر حتماً، تقلصت المسافة بيننا ... منظره غريب حقاً يبعث على الفضول فهو طويل القامة بعض الشيء نحيل إلى حد ما يرتدى معطفاً طويلاً شديد البياض وكذلك شعره وحتى رموش عينيه وحواجبه ... إن كل شيء فيه أبيض تماماً حتى الحذاء، أمر غريب جداً.
انتبهت الآن أننا نسير على خط واحد وأن المسافة بيننا تتقلص باستمرار وسرعة ولا أدرى ما السبب فى شعور التحدى الذى أصابنى إذ قررت ألا أحيد عن الطريق كما فعل كل المارين به ... بل سألزم طريقى وليحيد هو عنه إن أراد وإلا فليصطدم بى ولنر ماذا سيحدث ... استمر بالاقتراب وأخذنى عنادى إلى أقصى مدى وقبل متر واحد من وصولنا إلى نفس نقطة ... نظر إلىَ ... إلى عينيى مباشرة ... حيرتنى نظراته جداً فلا تشعر فى عينيه بأى حياة ... لكنها تثير رهبة ما فى أوصالى ... أشعر بها تخترق عقلى وتقرأ أفكارى ... نظرات رهيبة لا يستطيع المرء أن يتحملها طويلاً ... لكنى لن أتنازل عن موقفى وطريقى وليذهب هو إلى الجحيم إذا أراد ... لم يبقى إلا سنتيمترات قليلة ونصطدم حتماً مدام كل منا مصمماً على موقفه ... خطوة واحدة وينتهى الأمر لكنى لن أفسح له الطريق مهما كان.
استيقظت فزعاً ... نظرت حولى أبحث عنه فلم أجد إلا غرفتى و ... فقط.
اللعنة إن هذا الحلم يرفض أن يفارقنى منذ عدة ليالى ... يتكرر بكل وضوح ... نفس التفاصيل ... نفس المكان والزمان ... كل شيء كما هو ... تكرار عنيد كما لو أنى أشاهد فيلم سينما يعاد للمرة الألف، اتجهت حانقاً إلى الحمام لأستعد للذهاب إلى عملى وأنا أحمل بداخلى غضباً هادراً من هذا الحلم اللعين ... فأنا لا أمر على ميدان رمسيس هذا إلا من تحته ... أعنى فى قطار الأنفاق وحسب ولا أسير أبداً فوق الأرض فى هذا الميدان ... فلماذا يصر عقلى الأحمق هذا على رؤية الميدان فى حلمى ... كنت أفضل أن يكون مكاناً آخر دون أن أعى السبب فى حنقى على مكان الحلم دون حنقى على تفاصيله الأخرى ... فأنا أكره الزحام ... أكره الضوضاء ... أكره هذا ال ... كلا أنا لا أكره هذا الرجل إنه فقط يثير فى داخلى الرغبة فى التحدى ... وبعض الفضول ... ترى لماذا هذه المشاعر.
* - * - * - *
المكان: الشارع المؤدى إلى منزلى
الزمان: منتصف ال... الليل (نعم منتصف الليل هذه المرة) عائداً إلى منزلى
الشارع خالى تماماً إلا من قطة بائسة تبحث عن طعام لن تجده أبداً فسكان هذا الحى لا يلقون ببقايا طعامهم إلى القمامة لأنهم ببساطة لا يجدون الطعام الكافى لهم (ولكن هذا الأمر لا يهم) ... الليل ... الضوء الخافت القادم من بعيد ... بقايا أمطار أمس ... الصمت التام إلا من مواء القطة الجوعى ... جو مثالى لأفلام الرعب وجرائم الأحياء الفقيرة ... صوت خطوات تأتى من بعيد ... تسير فى الاتجاه المقابل ... رجل طويل القامة بعض الشيء نحيل إلى حد ما يرتدى معطفاً طويلاً شديد البياض وكذلك شعره وحتى رموش عينيه وحواجبه ... إن كل شيء فيه أبيض تماماً حتى الحذاء ... ماذا؟؟؟ إنه رجل الحلم ... لاشك أنه هو ... لاشك ... شعرت برغبة فى إسراع الخطى إلى منزلى ... خوف شديد ينتابنى الآن ... تبخرت روح التحدى التى تصيبنى حينما أواجهه فى الحلم ... بقيت فقط غريزة الخوف ... هل أهرب منه فعلاً ... شيئاً ما جعلنى لا أفعل ... شبح ابتسامة تراقص على شفتيه وأختفى سريعاً ... نظر إلىَ نظرته تلك ... فزعت ... سمعته يضحك ... قال لى من بين ضحكاته "ما بك هل أنا مخيف إلى هذا الحد؟" ... ألجمت المفاجأة لسانى فلم أرد ... تسمرت فى مكانى ... وقع خطواته وحده يقترب ... كيف رأيت ابتسامته فى هذا الظلام؟ ... كيف عرف أنى أخافه؟ ... يقترب ... مازالت واقفاً فى مكانى ... يقترب ... تتسارع دقات قلبى بشدة ... يقترب ... حان وقت الاصطدام ... هل أصحو مجدداً ... ليس هذه المرة ... تلاشى ... ماذا؟؟؟ تلاشى ... هكذا بكل بساطة؟ كأنه لم يكن هناك منذ برهة؟ ... تسارعت نظراتى تمسح الشارع ... لاشيء ... لابد أنه حلم آخر ... متى استيقظ؟ ... لكنه ليس حلماً هذه المرة إنه حقيقة ... تسارعت خطاى إلى المنزل حتى بلغته أخيراً، لا أدرى لماذا بدا لى بعيداً جداً هذه المرة ... دلفت إلى الشقة مهنئاً نفسى على سلامة الوصول ... وقع خطوات على السلم ... أصابنى الرعب ... هل لحق بى؟ ... لا ... لا أعتقد ذلك ... الخطوات تقترب ... هل سيطرق الباب؟ ... أم أنه سينفذ من خلاله؟ و ...

اللعنة على هذا الحلم السمج الذى يرفض مفارقتى ولكن الغريب فى الأمر أن تفاصيله تغيرت هذه المرة ... إن هذا الحلم يدفعنى إلى الجنون حتماً. وكيف سيأتى المرة القادمة وبأى تفاصيل؟ أمر محير ... هل أزور طبيباً نفسياً؟ ... لا وقت لدى لهذا ... أحوال نسيان الأمر دون جدوى ... آه لو أسبر أغوار هذا الحلم ... مازالت الساعة الثالثة فجراً سأعود إلى نومى وسأحاول نسيان هذا الحلم الغريب.
طرقات خفيفة على الباب انتزعتنى من سريرى ... من هذا الأحمق الذى يأتى إلى فى هذا الوقت؟ ... اقتربت من الباب لأفتحه ... تراجعت ... ماذا لو كان رجل الأحلام ... ناديت من خلف الباب "من؟" أتانى صوت هادئ يطلب منى أن أفتح الباب ... لم أميز الصوت فكررت "من؟" وكرر إجابته ... هل هو رجل الأحلام أم شخص آخر؟ ... أصررت هذه المرة أن يقول اسمه هذا الواقف خلف الباب فأجاب بكل هدوء "رجل الأحلام" ... من؟ ... رجل الأحلام ... أهو حقيقة؟ أم سأصحو هذه المرة أيضاً مفزوعاً كالمعتاد؟ كررت السؤال لأتأكد وكرر الإجابة ليزيدنى فزعاً ... عفواً لن أفتح ... هكذا أجبت وروح العناد تعود إلىَ ... رد فى هدوء "أريد أن أحادثك قليلاً فأنت لا تمنحنى هذه الفرصة فى الحلم أبداً دائماً تخافنى أو تتحدانى رغم أنى أحمل لك الخير" ... ترددت قليلاً لكننى فتحت الباب أخيراً ... هو كما يبدو فى أحلامى بكل تفصيلة فيه ... حتى نظرة عينيه الخالية من أى تعبير والتى تثير رعبى كما تثير بداخلى روح التحدى ... جلس دون أن أطلب منه ذلك ... فتح أزرار معطفه وهو يسألنى فى برود "لماذا تخشانى إلى هذا الحد؟ أنا لست الرجل الذى يثير ذعر الآخرين" أجبته فى برود مماثل وقد نسيت خوفى "وما الذى تثيره فى الناس إذن؟"
أنت لا تعرف الكثير عنى ... لقد أتيت إليك لأعقد معك اتفاقا مفيداً جداً لكلانا "قالها وهو يبتسم ابتسامة باهتة.
تبادر إلى ذهنى كل ما كتب فى قصص الرعب عن الاتفاق الذى يعقده الشيطان مع ضحاياه قبل أن يوقع بهم فى شركه فوجدت نفسى أصرخ "لا".
ابتسم ثم انحنى قليلاً إلى الأمام وهو يقول "هل تعرف من أنا؟
أمر لا يهم ولتخرج الآن من بيتى ... كانت كلماتى تلك حادة ... غاضبة.
نهض ثم سار فى اتجاه الباب وقبل أن يفتحه التفت إلى وقال "نلتقى إذن فى حلمك التالى" ... وجدتنى أصرخ قائلاً "أرجوك ... وصمت" عاود الجلوس على نفس المقعد وهو يقول "اسمعنى إذن ولا تهدر الوقت هباء ... لقد جئت إليك محذراً ... ستقتلك يوماً أحلامك" ... لم أرد فأكمل "هل تعرف شيئاً عن عالم الأحلام؟" أشرت برأسى أن "لا" فاستطرد "إنه عالم غريب لم يفهمه البشر كما ينبغى إن كل ما يدور هناك يؤثر حتماً على عالمكم هنا ... إذا رأيتنى يوماً ما فى حلمك ثانية فاعلم أنك فى خطر محدق خطر قد يلتهم حياتك نفسها فنحن نسيطر على عالم الاحلام هذا وهناك من يريد إلحاق الأذى بك ... ولست إلا نذيراً ... احترس" ألقى بكلماته وانصرف فى هدوء ... لم أفهم حرفاً مما قال ولكن دهشتى لم تفارقنى بعد ... لم استطع العودة إلى النوم هذه الليلة ... بل لثلاث ليالى تالية ... لم يغمض لى جفن ... ولم أخرج من غرفتى كذلك ... كل الوساوس الشريرة وجدت طريقاً سهلاً إلى عقلى ... كل الأشياء المخيفة قفزت إلى ذهنى ... أخاف أن أنام حتى ... لا أدرى ماذا أفعل؟ ... رنين هاتفى المزعج ينتزعنى من أفكارى ... ألو؟ ... أنا رجل الأحلام ... لم أتمكن من الرد ... هل تسمعنى أم أين تراك ذهبت؟ ... نعم أنا هنا ... لماذا لم تنم منذ ثلاث ليالى؟ ... هناك ما أردت أن أقوله لك ... ما هو ... لاتخرج اليوم من منزلك ستدهسك سيارة مسرعة ... أغلق الهاتف ... دائما ما يحرمنى فرصة الاستفهام ... عاودتنى روح التحدى من جديد ... لايعلم الغيب إلا الله عز وجل وليس هذا الأحمق سأخرج إلى الشراع وسأعبر الطريق وحينما أعود إلى منزلى سليماً سأنام بعمق ولن أراه ثانياً فى أحلامى وإن عاد سأقتله.
* - * - * - *
المكان: أحد شوارع القاهرة المزدحمة.
الزمان: منتصف ال ... (منتصف الظهيرة هذه المرة)
أسير بخطى واثقة رغم سوء حالتى من قلة النوم وقلة الأكل ... رائحة رائعة تسلل إلى أنفى ... نعم هى رائحة اللحم المشوى ... إذا كانت الرائحة هكذا رائعة فكيف هو الطعم ... إنى جوعان بشدة ... سأذهب لأكل فى هذا المطعم أين هو؟ ... تتبعت الرائحة ... آه إنه هناك فى الناحية الأخرى من الطريق ... عبرت الطريق إلى المطعم و ... صوت صرير عجلات سيارة مزعج حقاً ... أصوات أناس ترتفع "احترس" ... آلام مبرحة فى كل جسدى ثم صمت مطبق.
أرقد الآن فى مستشفى لعلاج الأمراض النفسية والعصبية من مرض الهلاوس السمعية والبصرية وقد قال الأطباء أن حالتى كانت متدهورة جداً حينما أبلغ الجيران عن حالتى ... أشعر الآن ببعض التحسن خاصة وقد توقفت زيارات رجل الأحلام.