أكتب رأيك ولأكتب رأيى ... وليس من الضرورى أن يعجبنى رأيك أو يعجبك رأيى ... المهم أن يوجد الرأيان، والأهم أن يكون المجتمع خالياً من السلطة الواحدة المسيطرة برأى واحد فى إمكانه إسكات كل صوت غيره. رسالة من توفيق الحكيم إلى محمد حسنين هيكل.
السبت، 16 فبراير 2013
هارب من الماضى
الأربعاء، 1 أغسطس 2012
جنيه ورق
الجمعة، 1 يونيو 2012
السيد الجديد
الثلاثاء، 15 يونيو 2010
الأصبع المبتور
الخميس، 23 يوليو 2009
الصفعة
الاثنين، 2 فبراير 2009
الخطأ الأخير (قصة قصيرة)
كان مواء القطط فى الشارع وصوت تساقط الأمطار هو الصوت الوحيد الذى يصل إلى مسامعى فى هذا الوقت من الليل لا يقطعه إلا صوت سيارة تمر مسرعة من حين إلى حين أو صوت عواء كلب يبحث عن طعام أو ينشد الدفء أو يطارد إحدى القطط ... برد الطريق ينخر عظامى ويلتهم عمرى ... قطرات الأمطار كأنها مطارق ثقيلة على رأسى ... الوحدة شيء قاتل تسلب روح الإنسان ووهجه ... شريداً ملقى على جنبات الطريق بلا قيمة ... وبلا حياة ... لم تكن حياتى تعرف هذا المعنى من قبل بل كانت حياتى مليئة ضجيجاً وصخباً طوال الوقت ... كثير من الأصدقاء ... أسرة لا تعرف سوى الحب والسعادة ... عمل ناجح ومستقر ... ولأن طريق حياة الإنسان كثير المنعطفات فقد قابلت فى حياتى عدد منها كان يغير من حياتى بدرجة ما لكن هناك منعطفا واحداً أصاب حياتى بتغيير قتل روحى وسلب منى رغبتى فى الحياة.
امرأة ... لكن ليست أى امرأة ... فهذه المرأة أرادت أن تتعدى علاقتنا الحدود المألوفة وأن تحتل فى حياتى مكانة لم تكن لها ... ظلت تحاصرنى بنظراتها وكلماتها ورغبتها المشتعلة دائماً ... كنت أتحصن منها بحبى لزوجتى لكن دأبها واستمرار ضغطها لوقت ليس بالقصير بدأ يضعف من مقاومتى، وبالتدريج بدأ تهربى منها يقل ... ويقل ... وينعدم ... كانت لا تعرف اليأس وتتمسك بما ترغب فيه ... وفى النهاية استسلمت لمطاردتها ولكننى استعنت بالحذر قدر الإمكان لكننى أدركت فيما بعد أنه ما أن تبدأ التنازل فلن يجدى معك الحذر أو الاحتياط ... كانت علاقتنا فى البداية مجرد مقابلات عادية فى أماكن عامة لكنها كانت بداية الخطأ فبعد مدة قليلة تحولت إلى لقاءات عادية فى شقتها ثم إلى خيانة قصوى لزوجتى ... ذات يوم سافرت زوجتى لزيارة أهلها فى مدينة أخرى ومنعتنى ظروف العمل من مصاحبتها فاستغلت الأخرى هذه الفرصة وجاءت إلى منزلى وقضت معى يومان ... عاشت فيهما كأنها زوجتى ... وفى غير موعد عودتها عادت زوجتى وحينما دخلت إلى شقتنا، المكان الذى نبتت فيه بذور حبنا، الذى احتضن أحلام المستقبل وتحقيقها ... الذى شهد لحظات سعادتنا ونجاحنا ... وجدتنى فى أحضان امرأة أخرى ... فى غرفتها ... وعلى سريرها ... وجدت امرأة أخرى تحتل مكانها وتسرق مكانتها ... وجدت طعنة فى كرامتها كزوجة وحبيبة ... الجميع أصيب بالذهول وألجمتنا المفاجأة ... الجميع لم يجد شيئاً يقال ... الجميع تسمر فى مكانه ... كان كل منا ينظر للآخر نظرة مختلفة ... كانت ترانى خائنا ... خنت كل الحب الذى بيننا ... كانت ترى نفسها ضحية لرجل كاذب ومخادع ... وكنت أرانى وضيعاً ... وأراها جنة طردتنى خطيئتى منها ... وكانت التفاحة المحرمة مازالت فى سريرى ... دقيقة كاملة كان الصمت هو السيد ... دقيقة اشتعلت فيها مشاعر القهر ... الظلم ... الخوف ... الندم ... ثم سقطت زوجتى مغشياً عليها ... كانت تلك هى اللحظة التى قلبت السكون إلى حركة فبعد سقوط زوجتى هرولت أنا لأطمئن عليها وهرولت خطيئتى تلملم ملابسها وتلوذ بالفرار ... حينما انحنيت على زوجتى محاولاً إنعاشها اكتشفت أن تنفسها قد توقف وأن جسدها قد فارقته الحياة ... كانت صدمتها كبيرة حتى أنها لم تحتمل الحياة بعدها سوى دقيقة واحدة فقط ... وكانت كذلك هى الدقيقة الأخيرة فى حياتى أيضاً ... فقد مت وأنا حى ... فمنذ هذه اللحظة وأنا كالموتى ولست كالأحياء ... مجرد شريد ملقى فى الطريق يتمنى أن يحيا إلى الأبد فى هذا العذاب ليكون عذابه ندماً على ما فعل
الأحد، 30 نوفمبر 2008
الوظيفة
بثقة شديدة صعد درجات السلم يحمل بين يديه أوراقه وشهاداته ورغم أنه لم يكن متفوقاً فى دراسته لكن كان واثقاً أنه سينال الوظيفة التى قرأ إعلانها بالجريدة ليس بسبب أناقته الزائدة لأن البذلة مستأجرة فى الأساس وليس للشهادات التى بين يديه فهى بتقدير مقبول ليس أكثر، لكن بسب آخر هو قطعة صغيرة من الورق يحملها فى جيبه مطبوع عليها اسم شخص هام ومن الخلف كتب عليها بخط اليد توصية صغيرة وتحية لصاحب الشركة لقد كلفه هذا الكارت مجهود بسيط ليصل إلى هذا الشخص الهام لكن هذا المجهود سيغير حياته تماماً فبعد عدة وظائف قليلة الحظ والراتب سينال أخيراً وظيفة محترمة فى المكانة والراتب، حقيقة ليس هذا هو الراتب القادر على تحقيق أحلامه الكبيرة لكنه سيكون خطوة البداية وعليه أن يغتنمها فهو حتما بعد هذه الوظيفة سيخاصم جلسة القهوة وسيبدأ فى البحث عن عروس له وربما طمع أن يجد مسكناً مستقلاً بالإيجار بدلاً من أن يتزوج فى مسكن والده، دخل من باب الشركة وجلس فى انتظار دوره لمقابلة المدير ويقينه بالحصول على هذه الفرصة لا يتزعزع بعد دقائق قليلة خرج أحدهم من مكتب المدير عرفه على الفور إنه زميل دراسة قديم كان من النوعية التى يطلق عليهم زملائهم (الموس) لأنه يذاكر بكل اجتهاد وعزيمة، لا يعرف لماذا حرص ألا تتقابل عيونهما.
دخل إلى مكتب المدير وقلبه يدق بعنف، بعد عبارات قليلة اطمأن أن الوظيفة له وأن قرار تعيينه سيصدر بعد أيام قليلة للمحافظة على الشكل العام ليس إلا.
عاد إلى بيته وفى رأسه تطل صورة زميله، حاول أن يفكر فى الوظيفة الجديدة وحياته التى ستتغير بعدها لكن صورة زميله عكرت عليه صفو أحلامه، لماذا يراه الآن فى ذهنه؟؟ لا يجد إجابة ... أو لا يحاول أن يبحث عن إجابة، لكنه فى المساء حينما استعد للنوم وبعد مناورة طويلة مع نفسه تساءل أخيرا هذا السؤال الذى حاول أن يتفاداه، ألست أسرق هذا الزميل بسبب كارت صغير؟ أكيد هو أجدر منى بهذه الوظيفة، تاريخه فى الكلية يؤكد ذلك، ربما هو أيضا يحلم أن يخاصم جلسة القهوة ويحلم بالبحث عن عروس له ومسكن ملائم؟ أجاب على سؤاله بنعم أنا أسرق هذا الزميل وربما أسرق كذلك آخرين أحق منى بهذه الوظيفة لكن ماذا بعد؟ هل يتخلى عن هذه الفرصة من أجل آخر؟؟
وفى النهاية قرر أن يحصل على حق زميله كى يعيش، أفضل بالتأكيد من أن يعيده له ويموت مردداً فى نفسه المثل الذى اخترعه هو (لكى تحصل على اللحم يجب أن تذبح بقرة).
السبت، 15 نوفمبر 2008
خطاب
فلتقبل اعتذارى، فأنا لا أرضى أن أكون الثانية فلقد شاركتك الحلم قبلها ... سكنت قلبك قبلها ... رسمت معك خطى المستقبل قبلها ... تألمت لألمك قبلها ... نزفت من جروحك قبلها ... تبسمت لفرحك قبلها ... تنفست هوائك قبلها ... سرى دمى فى شرايينك قبلها ... ثم جاءت هى لتحمل اسمك قبلى ... لتشارك تحقيق الحلم قبلى ... لتعيش معك ما تمنيته أنا لك ... جاءت هى لتقصينى من حياتك ... لتحتل قلبك بدلاً منى ... قرنت عمرها بعمرك لتصبح هى الواقع وأتوارى أنا بين ذكرياتك.
عفواً سيدى
فمكانى ليس فى الظل وحياتى لا ابنيها على أنقاض آخرين ... أرجوك لا تحاول أن تجعلنى مجرد حلم مضى تحاول اللحاق به ... لا تسعى ورائى ... فلن أعود إليك ... هى الآن الزوجة والأم وأنا مجرد ذكرى ولست أكثر من حلم.
عفواً سيدى
فلقد خرجت من حياتى ولا مكان لشمسك فى سمائى ... لا مرفأ لسفينتك فى قلبى ... وأغصان مشاعرى لم تعد تنبت أزهارك.
* - * - * - *
الاثنين، 3 نوفمبر 2008
لا شيء
لست من هؤلاء الذين يستطيعون لكم الحياة فى وجهها فتستجيب لهم وتحقق مطالبهم بل على العكس فدائما ما استجدى من الآخرين حقوقى وألين تماما أمام رغباتهم حتى لو كان ذلك يظلمنى، لست أدرى لماذا أخشى المواجهات وأخاف حينما أتكلم مع الغرباء وأقف صامت إذا خاطبنى أحدهم بصوت عالى رغم أن الغضب يتملكنى بشدة حتى أقطر عرقاً وأنتفض من الغضب لكن النتيجة دائماً تكون لا شيء.
لا شيء هى الكلمة التى تصاحبنى فى حياتى فلا شيء تحقق من أحلامى ولا شيء من حقوقى بقى لدى ولا شيء من رغبات أصرح بها حتى أصبحت (السيد لا شيء) ربما الشيء الوحيد الموجود فى حياتى هو الرغبة العارمة فى تغيير هذا الوضع ولكن لا شيء تظهر من جديد فتحطم كل سعى أتخذه لتحقيق هذه الرغبة.
هذا الصباح كلفنى السيد المدير بأعمال زميل لنا سيقوم بإجازة المصيف الأسبوع المقبل رغم أنى الفرد الوحيد بالمكتب المحمل بأعباء كبيرة فى العمل أما باقى الزملاء فيجيدون التذمر والشكوى من كثرة العمل الذى لم يكلفوا به من الأساس ولم ينجزوه قط فتكون النهاية أن ينقل السيد المدير هذه الأعمال إلى عاتقى وكأننى خادم أهل هذا المكتب ومن جديد يتملكنى الغضب الشديد من قرار سيادته وألمح نظرات السخرية فى عيون الآخرين مما يعنى أن القرار قد تم تعديله قبل أن أصل إلى العمل هذا الصباح ... كانت الرغبة الخانقة فى الاعتراض أو حتى التذمر تتملكنى وشبح لا شيء يلوح فى أفق حياتى من جديد ... بعد قليل كان السيد المدير يقوم بالمرور اليومى على المكاتب للاطمئنان على سير العمل حتى مر بمكتبى كنت لحظتها ألتقط قلمى من تحت المكتب (هو أيضاً رعديد وجبان ليختفى تحت المكتب حينما يمر السيد المدير) سمعت كلمات المدير الساخرة المؤنبة تنهال على أذنى لأننى مهمل ولم أنجز بعض الأعمال إلى الآن ... اعتدلت ووقفت أمامه كان يصيح بشدة ... كنت أرتعش حقاً من صوته العالى ... وأشعر بدوار شديد يلف رأسى ... كنت أتمنى أن يذهب ويصمت ... لكنه لم يفعل ... وفجأة رأيت على وجهه كلمة لا شيء تتراقص على جبينه وكأنها تهزأ بى ... فأنا مجدداً لن أفعل شيء.
قال الزملاء فيما بعد أثناء تحقيقات الشرطة أننى فجرت أنف هذا المدير التافه بعدة لكمات وأن من تدخل منهم للدفاع عنه تورم وجهه وفقد عدة أسنان وأكدت التقارير الطبية أن عظام الجمجمة الأمامية لهذا المدير التافه كانت محطمة كما لو أن قطاراً قد صدمه وشهد الشهود أننى كنت أصيح بعد ذلك فى ممرات الشركة أن (لا شيء) مضت ولن تعود وهكذا اشتعل فتيل الثورة فى حياتى.
الثلاثاء، 14 أكتوبر 2008
حلم آخر لم يكتمل
نشرت الأخت العزيزة / هاجر العشرى على مدونتها حكاوى القهاوى قصة قصيرة بعنوان حلم لم يكتمل وكانت فكرتها جيدة جداً وقد أثرت فى الفكرة بشكل كبير وقد استأذنتها أن أكتب نفس القصة من وجهة نظر أخرى وقد أذنت لى لذلك من المهم جدا قبل أن تقرأ ما كتبت أن تقرأ أولاً القصة التى كتبتها الأستاذة هاجر لأن الأحداث مترابطة (اقرأها هنا) وبعد أن تقرأها تعال لتقرأ نفس الأحداث من وجهة نظر أخرى هنا.
حلم آخر لم يكتمل
هل تدرك أى شخص أحمق أنت؟ ومتى يمكنك أن تدرك ذلك؟
عفواً أنا لا أتحدث إليك تحديداً فأنا أحادث نفسى بصوت عال ... ولتتركنى مع نفسى كى أجيب ... قد يدرك المرء إنه أحمق عندما تتكرر أخطائه مصحوبة بإصرار عنيف منه أنه يعرف كيف يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح مرة أخرى ... قد يدرك المرء أنه أحمق حينما يبدأ فى فقد تلك الأشياء الهامة فى حياته دون أن يكترث لذلك فى الوقت الصحيح.
قد تدرك إلى أى حد أنت أحمق حينما يستمر نفس الخطأ فى حياتك خمسة عشر عاماً !!! لابد أن من يحدث معه ذلك هو أكثر حمقاً من أن يدرك أنه أحمق !!! ... أليس كذلك ؟؟؟ ... لا تجاملنى فأنا شديد الحمق بالفعل.
تبدو على وجهك علامات عدم الفهم ... وربما تظن أننى مجنون ... إذن دعنى أقص عليك الأمر من بدايته.
منذ سبعة عشر عاماً مضت أحببت زميلة لى بالجامعة و احبتنى كذلك ... أرجوك لا تسألنى عن الفوارق الاجتماعية ... فليس معنى أن تكون من أسرة غنية ويمتلك أباها عدة ملايين من الجنيهات بينما أبى يعمل عاملاً بسيطاً أنها لا تمتلك قلبا لكى تحب به خاصة وأن أباها رحب بى ورأى أننى شاب طموح استطيع إدراك النجاح ... لكن أبى رفض هذا الارتباط رغم محاولاتى المستميتة كى أثنيه عن رأيه ذلك ... أكثر ما يثير حزنى وغضبى وحنقى أنه لم يبرر لى هذا الرفض ... بل اصر على الرفض بشكل عجيب ... لو أن أمى كانت حية ترزق فى هذا الوقت لوقفت بجوارى بلا تردد ... ومما زاد من توتر الأمور بيننا – أبى وأنا – أن رفضه تعدى حدود الرفض اللفظى بل صار يشتكى لكل العائلة أننى لا اسمع له كلمة ولا أرضيه ... وصار الأمر بيننا من سيء إلى أسوأ حينما أراد أن يزوجنى من فتاة أخرى ... لا أذكر عنها شيئاً الآن ولكن بالتأكيد لم تكن هى الفتاة التى أحببت.
قل لى كيف سيكون تصرفك حينها؟؟؟ لا تنسى قبل أن تجيب أن التضحية بالحب شيء صعب للغاية ... لا تريد أن تجيب؟ فليكن دعنى أكمل لك الحكاية.
مرت عدة أشهر وكل منا متمسك بموقفه حتى جاء الحل من جهة أخرى ... صفحة الاجتماعيات بالجريدة ... نعم لا تتعجب ... ففى هذه الصفحة وجدت تهنئة بزواج حبيبتى بعد أن يئست أننى سأتمكن من حل مشاكلى مع والدى وبعد عدة محاولات فاشلة منها لتحسين الصورة أمام أسرتها رضخت فى النهاية للأمر الواقع وتخلينا عن حلمنا معا، لذا قررت فى لحظة غضب وتحدى أن أهاجر واخرج من حياته ... أو بالأحرى أخرجه من حياتى ... هل تصدق ذلك أى أحمق يخرج أباه من حياته؟؟ ... لا تتعجب فهذه هى الحقيقة ... لكنه لم يكن خروجا للأبد ... اسمعك تسألنى كيف ذلك؟ ... بعد أن غادرت البلاد كنت أحرص على أن أرسل له مبلغ من المال كل شهر وفى الأعياد والمناسبات المختلفة ... وفى كل مرة كنت أريد أن أرسل مع النقود خطاب اعتذار لأبى ... لكننى كنت أخشى ألا يرد على هذا الخطاب ... كنت أضع له صورة كبيرة فى حجرتى وأحدثه كل يوم وأسأله أن يسامحنى دون أن أجرؤ على فعل هذا فى الحقيقة ... كنت أحقق نجاحات متعددة فى العمل ... لكن دون روح حقيقية تحيا فى جسدى ... كانت روحى معلقة هناك ... فى دار أبى ... هل تدرى كيف الحياة حيث كنت أعيش؟؟ إنها موحشة ... جافة ... باردة ... يبدو أن الطقس هناك طبع نفسه على أرواح البشر فبردت ... أو ربما كانت برودة أرواحهم هى التى جعلت الطقس بهذا البرود ... وهذه الوحشة.
أتعرف شيئاً عن الوحدة؟ أكيد أنت لا تدرى ... فحتى لو كنت وحيداً فأنت على الأقل فى وطنك ويمكنك أن تكتسب من الأصدقاء ما تشاء ... الوحدة ... إنه الشعور الوحيد القاتل لروحك ... صدقنى ... الحزن والاكتئاب ليسا بنفس قوة الوحدة فى تأثيرها على روحك ... أظنك لا تدرى كم هو مرهق هذا الشعور؟ ... إنه يتسلل إلى قلبك ويقتله ... يتسلل إلى روحك ويسلبها ... على كل حال فقد ابتعدت عن أبى خمسة عشر عاماً كاملة ... لم اقابله خلالها ولا مرة واحدة ... لكننى فى النهاية تعبت ... أردت أن أدفن وجهى فى صدره وأبكى كالطفل الصغير حتى تجف دموعى ... أردت أن أقبل يده التى طالما حنت على صغيرا وجحدتها كبيراً ... أردت أن أكفر عن خطاياى طوال هذه السنوات الطوال ... لذلك قررت العودة ... لست أدرى بأى وجه سيقابلنى؟ ... هل سيقبلنى بعد أن رفضته؟ ... أدرك أن قلب الأب يسامح مهما أخطأ الأبناء ... أوقن أنه سيحتضننى حتى يذوب جليد السنوات الطوال ... سأعود ,القى نفسى تحت قدميه حتى يسامحنى ... لكننى سأفاجئه ... لكن أخبره بموعد وصولى ... أريد أن أرى وجهه فى هذه اللحظة وهو يفتح الباب ليرانى أمامه ... عدت أخيراً إلى البيت ... لكم هو دافئ وحنون ... كم هى حلوة رائحته ... ومريحة أركانه ...غريب أنه لم يغير المفتاح طوال هذه السنوات ... والأغرب أننى احتفظت بنفس المفتاح طوال نفس السنوات ... هلى إشارة ما؟ ... لكن أبى ليس بالبيت ... ربما خرج لقضاء حاجة ... سأنتظره إذن ... طال انتظارى حتى هبط المساء ... بدأ القلق يدق قلبى بمطرقته العنيفة ... وقبل منتصف الليل بقليل طرق الباب شخص ما ... هرولت لأفتح ... وجدت شرطى يخبرنى أن صاحب هذه الشقة وجد متوفى فى إحدى سيارات الأجرة أمام المطار ... يا الله ... كان ذاهب للقائى حسب رواية السائق ... كان يتمنى ذلك مثلما تمنيته ... لكن القدر لم يمهل أى منا ليكفر عن خطاياه.
هل أدركت الآن أى أحمق أنا؟ ... هل أدركت كم كنت محقاً أن أخبرك أننى كنت أكثر حمقاً من أن أدرك خطأى إلا بعد أن فات أوان ذلك؟
الخميس، 25 سبتمبر 2008
الصراف
أعمل صرافاً بأحد البنوك ... عمل صعب يتطلب كثيراً من الصبر وكثيراً من التفهم لمشاكل العملاء ... أقصى مشاكل عملى هى عميل غاضب أو عجز فى العهدة، لكنها مشكلات يمكن مواجهتها بالصبر والتركيز ... صباح اليوم كانت أمى تناشدنى ألا أذهب إلى العمل لأنها لا تشعر بخير بسبب انقباض قلبها ... بالطبع أنا أحترم أمى لكن قلبها الغير مطمئن لن يكون مبرراً كافياً أمام رؤسائى إذا تغيبت عن العمل اليوم ... , ورغم أنى أحرص على البر بها وطاعتها لكنى لم استطع هذه المرة وذهبت إلى العمل ... مضى جزء من اليوم كغيره من الأيام ... من جاء ليودع مالا تحسبا لتقلبات الزمان ... وآخر جاء ليسحب من مدخراته ربما كان لجهاز ابنته أو شبكة ابنه ... وهذه جاءت لتسأل عن تحويل زوجها الذى يحترق بنيران الغربة ملقيا على كاهلها مسئولية الأطفال ... إن عملى كصراف يجعلنى أرى المجتمع كله ... واليوم يمضى حتى قارب على منتصف النهار تقريباً ... أصوات جلبة قادمة من ناحية باب البنك ... الجميع يهرول مذعوراً حتى رجال الأمن يحاولون الفرار ... لقد اقتحم ثلاثة لصوص البنك يحاولون سرقته ... يحملون بعض الهراوات والأسلحة البيضاء ويضربون بها من يقف فى طريقهم ... عصبيون ومزاجهم حاد ككل شيء فى أيامنا هذه ... أخجل أن أقول أنى سارعت بالاختباء كغيرى تحت مكتبى ... لكنها غريزة البقاء التى تدفعك للحفاظ على حياتك ... أو هو الخوف من المواجهة والذى أصابنا جميعا منذ عقود ... أصوات اللصوص تعلو وهم يحيطون بالجميع ويأمرونهم بالتحرك إلى أحد أركان المكان ... يجولون فى المكان بسرعة ليجمعوا رهائنهم ... صوت غاضب يأمر أحد موظفى البنك بإحضار النقود لهم من خزينة البنك ... أصوات بعض الرهائن يئنون لابد وأنهم آذوا البعض ... أتصبب عرقاً ويقتلنى التوتر ... ترى كيف ينتهى هذا الموقف ... لست راضياً عن هروبى تحت المكتب ... لكن الجميع حاول الهروب ... تحت مكتبى زر إنذار ككل المكاتب الأخرى ... هل أغامر واضغطه؟ ... ماذا لو اكتشفوا أمرى ؟ ... هل سيقتلوننى انتقاما لهذه الفعلة ؟ ... وماذا لو أنهم رأونى مختبئاً ولو لم أضغط زر الإنذار؟ ... أعتقد أن المصير واحد فى النهاية ... فلماذا لا أحاول إذن؟ ربما كان هذا هو الحل السليم ... مدت يدى إلى الزر ... تراجعت ... لست أدرى ما السبب ... عاودتنى الأفكار المرعبة من جديد ... ربما لن يقتلوننى بسرعة وعذبونى أولاً بدافع الانتقام ... أو نلت جزاءاً أقسى لأكون عبرة للآخرين ... أو قد يجعلوا منى درعاً أمامهم إذا ما حدث تبادل لإطلاق النار ... ماذا أفعل الآن؟ ... هل أظل قابعا هكذا تحت مكتبى وأنا أرتعد من الخوف ؟ ... وهل من الشرف أن أموت جباناً ؟ ... الجبناء يعيشون أطول لكنهم يعيشون أذل ... والشجعان قد يموتون سريعاً لكنهم يموتون شرفاء مرفوعى الهامة والمقام ... تذكرت الآية الكريمة "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" ... ذكرت الله ورجوته أن يكون معنا ... رجوته من قلبى بصدق ... استعنت به وضغطت الزر ... أثار صوت الإنذار غضباً هائلاً بين اللصوص وأخذوا يبحثون فى كل مكان عن مطلق الإنذار حتى صاح أحدهم مشيراً إلى مكانى تحت المكتب ... لم يصيبنى الاضطراب لكننى لست أدرى ماذا أفعل وهم يهرولون نحوى ... نظرت بسرعة عن مكان آخر قد أحتمى به ... وجدت بجوارى طفاية الحريق فلذت بها ... حينما اقترب منى اللصوص تناولت الطفاية وهددتهم بها ... حاول أحدهم أن يختبئ ... ففتحت الغاز فى وجوههم ... أصابهم الاختناق بالغاز ... هرول الرهائن محاولين الهرب ... لكن بعضهم تمسك ببقايا من شجاعة وهاجموا اللصوص واستطاعوا السيطرة عليهم وشل حركتهم وتجريدهم من أسلحتهم ... واستعدنا السيطرة على الموقف مرة أخرى ... فيما بعد قال لى الضابط المكلف بالتحقيقات جملة ظلت فى ذاكرتى زمناً طويلاً بعد ذلك ... كانت هذه الجملة هى ... حقاً إن رجلاً واحداً ... رجلاً حقيقياً قد يحدث فرق.
ملحوظة: فكرة القصة مستوحاة من واقعة حقيقية حدثت بتايوان