الخميس، 24 يوليو، 2008

السينما (فيلم المفاجأة)





إنه الفن السابع الذى ألهب خيال الملايين منذ قرن من الزمان صعد بالبعض إلى عنان السماء من شهرة أو مال وهبط بآخرين إلى الحضيض حينما فشل فى التعلق بأذياله لقد شكل هذا الفن وجدان ملايين البشر عبر رحلة امتدت مائة عام أو يزيد قليلاً كان السبب فى خير أصاب البعض كما كان السبب فى شرور عدة أصابت آخرين وأعتقد أنى أشهد الآن واحداً من شروره التى تصيب الناس والسبب هو ذلك الفيلم المعروض الآن بإحدى دور العرض والتى كانت منذ شهر واحد فقط واحدة من دور العرض التى لا تلقى إقبالاً من الجماهير فأصبحت الآن الوحيدة التى يتهافت عليها الناس فى مدينتنا الضخمة وقبل أن أخبركم بالسبب أود أولاً أن أخبركم عن صاحب دار العرض هذه.
إنه رجل لا تاريخ له ظهر فجأة إلى حياة الناس فقبل أن يشترى هذه السينما لم يكن أحد يعرف عنه شيئاً وكل ما قيل عنه يبدأ فقط منذ اشترى هذه السينما ولا أحد يعرف عنه شيئاً قبل هذا كما أنه رجل أقل ما يوصف به أنه غريب حقاً فلا أحد يدرى أين يعيش ولا أحد يدرى إن كان له عائلة أم لا والأسوأ هو أنه لم يشاهد قط من قبل أى إنسان خارج هذه السينما حتى أن البعض قد رجح أنه يعيش داخل حجرة مكتبه القابعة أعلى دار العرض وهو دائما يرتدى نفس البذلة السوداء الحالكة ذات القميص الأبيض الناصع ورباط العنق القصير ذو اللون الأحمر القانى أما بشرته فهى بيضاء تماماً كأنما لم يتعرض للشمس قط أشيب الشعر كأنما بلغ من العمر أرذله ورغم هذا فهو يبدو دائماً موفور الصحة وأجمع من رأه أنه لا يبتسم قط هذا هو الرجل الذى أحدثكم عنه.
أما دار العرض نفسها فكانت من قبل واحدة من تلك الدور التى لا تلقى قبولاً من الجماهير ورغم أن حالها لم يتغير كثيراً منذ اشتراها هذا الرجل إلا أنها أصبحت الآن دار العرض الوحيدة التى تجتذب المشاهدين وهى تعرض الفيلم الذى دفعنى للكتابة الآن فهذا الفيلم حينما عرض فى دور عرض أخرى لم يستمر عرضه سوى يومين اثنين فقط حتى أن إحدى قاعات العرض رفعته بعد العرض الأول وأجمع النقاد الذين شاهدوه أنه لا يمكن أن يصنف على أنه فيلم بالأساس أو أنه ينتمى لعالم الفن أصلاً فما الذى دفع بهذا الفيلم إلى الصف الأول رغم أنه لا يعرض إلا بدار عرض واحدة؟ ... إنها الشائعات ... الشائعات هى التى تغير من أراء الناس واتجاهاتهم فقد أشيع أن من يدخل الفيلم فى هذه الدار تحديداً فإنه يرى وجهه بوضوح بين وجوه المجاميع هائلة العدد التى تظهر فى عدة مشاهد من الفيلم ومما غذى سريان هذه الشائعة أن بعضهم (وربما كانوا من المأجورين) قد أقسم أن وجهه قد ظل معروضاً على شاشة العرض بين وجوه الكومبارس لمدة قاربت على دقيقة كاملة وأنه كان يرى ملامحه بكل وضوح وقد قال آخر أنه ذهل تماماً حينما رأى وجهه على الشاشة رغم أنه كان مسافراً إلى إحدى الدول العربية ولم يعد إلا هذا الأسبوع فقط مما يستحيل معه احتمال تصادف وجوده فى مكان تصوير أحداث هذا اللغو الذى يطلق عليه فيلم سينمائى، هذه الشائعة التى سرت بين الناس سريان النار فى الهشيم دفعت الآلاف من البشر للتزاحم أمام دار العرض الغريبة هذه وهو ما شجع إحدى دور العرض لعرض الفيلم مرة أخرى فى قاعتها الرئيسية إلا أن أى من مشاهديه لم يحدث معه ما حدث مع الدار الأخرى أبداً فتم رفعه من العرض مرة أخرى.
وأكثر ما يثير حنقى هى تلك اللوحة الهزلية التى يعلقها صاحب دار العرض أمام الباب وكتب عليها باللون الأحمر والأرضية السوداء "قبل أن تخطو إلى الداخل عليك أن تستعد للمفاجأة" وهى تستثمر بشكل أو بآخر تلك الشائعة كما تستثمر اسم هذا الفيلم الأحمق والذى سماه صانعوه "المفاجأة".

أمر غريب يحدث فى هذه الدار ... فهل هناك من يكشف عنه اللثام؟
كان هذا نص المقال الذى كتبته ونويت أن أرسل به للمطبعة كى ألحق الطبعة الأولى لكن خبراً تم بثه من دقائق معدودة جعلنى أأجل إرساله لحين معرفة ما تسفر عنه الأمور، كان الخبر يقول أن خبير الخدع السينمائية الشهير حسام الشاذلى (الذى عمل لفترة طويلة فى استوديوهات هوليود مع أعظم مخرجيها وعاد منذ عامين ليستقر هنا) كان هذا الخبير يعلن رفضه المطلق لمثل هذه الشائعة وأنها لا تخرج عن كونها خدعة متقنة بشكل ما من أحدهم وأنه سيذهب بصحبة بعض أرقى الخبراء فى مجال البصريات وعلم النفس والسينما والأشعة بصفته خبير فى الخدع السينمائية ومعهم أدواتهم لكشف زيف الخدعة التى يتعرض لها جمهور هذا الدار وأنه يتحدى صاحب دار العرض أن يدعوهم لإجراء هذه التجارب، وفى صباح اليوم التالى كان الخبر يتصدر صفحات كبرى الجرائد اليومية من مختلف ميولها (سياسية – أدبية – رياضية فضلاً عن الفنية حتى أن الأمر تخطى حدود الوطن إلى جرائد الدول العربية المختلفة) وحتى صباح اليوم التالى لم يصدر عن صاحب دار العرض أى تعليق كل ما حدث أن مدير دار العرض صرح تصريح مقتضب لإحدى الصحف المغمورة قليلة الانتشار بأن ما يحدث فى دار العرض لا يعرف عنه شيئاً وأنه لا يملك أى معلومات للنشر حول هذا الصدد وكان هذا التصريح الصغير كفيلاً بأن يرتفع توزيع الصحيفة المغمورة إلى أرقام فلكية فى هذا اليوم وهو ما آثار حفيظة حسام الشاذلى الذى كرر تحديه مرة أخرى وهو أكثر ثقة بنفسه عن ذى قبل وانتظر الجميع ما قد يسفر عنه هذا التحدى ولكن هذا لم يمنع أو يخفف الزحام الغير عادى أمام باب دار العرض التى أعلنت عن فتح أبوابها 24 ساعة للجماهير لمشاهدة الفيلم كما لو كانت تتحدى المشككين فى الأمر، أما صناع الفيلم أنفسهم فلم يتكلم أحد منهم للصحافة أو الراديو أو التليفزيون أو حتى مواقع الإنترنت ولا بحرف واحد بل احتجبوا جميعاً عن الأنظار تماماً واصبح من الصعب جداً إن لم يكن من المستحيل أن يصل إليهم صحفياً أو مذيعاً حتى أن منتج الفيلم ومخرجه قد سافرا إلى خارج البلاد حتى تنتهى هذه الزوبعة المحيطة بالفيلم وهو أمر مريب آخر فهى فرصة لصناع الفيلم وممثليه للظهور أمام عدسات الكاميرات والصحافة ليزدادوا شهرة وثراء لكن أى من هذا لم يحدث أبداً ... فقط صمت مريب سيطر على الوضع وهو ما دفع مزيد من الجماهير إلى محاولة الحصول على تذكرة دخول العرض بأى ثمن وهى فرصة لم يفوتها البعض فارتفع ثمن التذكرة من عشرة جنيهات إلى مائة جنيه فى ثلاثة أيام فقط إلا أن الزحام لم يتأثر أبداً فقد أتى الجميع بين مصدق للخبر ويريد أن يرى وجهه على شاشة العرض وبين متشكك جاء ليتأكد بنفسه وبين مكذب جاء ليفضح الكذبة ولهذا وجدت الصحافة والتلفزيون مقراً دائماً لها أمام باب دار العرض لمحاولة الحصول على تصريحات من الجمهور بعد خروجه لكن التصريحات تضاربت تماماً فهناك من أكد الخبر وأقسم على ذلك وهناك من نفاه تماماً وهناك من قال أنه رأى من يشبهه بين جموع الكومبارس دون أن يتأكد إن كانت هذه ملامحه فعلاً أم لا وعلى هذا لم نحصل بعد على إجابة شافية بالمرة ... فكل شيء متعلق بهذه الشائعة تجده ضبابياً ولا يوحى بحقيقة قاطعة ... أغرب ما شدنى لهذه الحكاية هو موقف الجهات الرسمية التى أجمع كل مسئولوها على رفض التعليق على الأمر رغم أن حالة البلبلة هذه مستمرة لشهر كامل حتى الآن كما لو أن الأمر يحدث فى بلد آخر غير البلد الذى هم مسئولين فيه.
أخيراً ظهر صاحب دار العرض بعد خمسة أيام من الصمت المطبق ليعلن أن ما يحاوله حسام الشاذلى لن يؤثر إلا عليه وطاقمه بالسلب وينصحه ألا يقدم على ما أزمع القيام به ورغم ذلك فهو يرحب به هو ومن أراد من فنيين أو خبراء للحضور لاستجلاء الحقيقة والتى زعم صاحب دار العرض فى تصريحه أنه حريصاً عليها كحرصنا جميعاً، وهنا جن جنون حسام الشاذلى وأعلن أنه سيزور دار العرض الليلة ومعه طاقم كامل لكشف الحقيقة سواء كانت شائعة أم خداع بصرى أو أى شيء آخر فإنه سيعلن نتيجته بكل شجاعة وبكل صراحة.
وفى المساء احتشد آلاف من البشر أمام باب دار العرض وآلاف أخرى من ناقلى الأخبار سواء لصحف أو تلفزيونات أو مواقع الانترنت أو حتى هؤلاء الفضوليين والمتطفلين وهكذا تحولت المنطقة التى تقع بها دار العرض إلى ما يشبه يوم الحشر وما أن ظهرت السيارات التى تقل حسام الشاذلى ومعاونيه ومعداته حتى انقضت عليهم الصحافة والتليفزيون للحصول على تصريح منه لكن علامات الحزم والجدية المصاحبة للصمت المطبق منه ومن معاونيه صرفت عنه هذا الحشد حتى دخلوا إلى قاعة العرض والكل يأمل أن ينجلى غموض هذا اللغز الليلة سواء بتأكيد الظاهرة ومن ثم البحث عن أسبابها ومحاولة الاستفادة من نتائج البحث بعد ذلك أو بنفى الظاهرة تماماً ومن ثم البحث عن مصدر الشائعة أو منفذ الخدعة لمحاسبته على هذه البلبلة التى سرت بين الناس طوال شهر كامل.
واستمر وجود هذا الحشد أمام باب دار العرض لمعرفة الأخبار عند انتهاء الفريق من أبحاثه بهذا الشأن ... لكن لا أحد يعلم ما الذى حدث هذه الليلة على وجه اليقين فقد أجمع الآلاف المتواجدين أمام باب دار العرض على نفس الرواية وهى "أنه بعد بدأ العرض بحوالى ثلاث دقائق سمعوا صرخات مدوية تنم عن فزع شديد صادرة من داخل دار العرض مصحوبة بأنوار باهرة جداً حتى أن كل الحشد المتواجد أمام باب دار العرض قد أغمض عينيه من شدة الإضاءة حتى هؤلاء المتواجدون على مسافة بعيدة من دار العرض ثم اختفى الضوء فجأة وساد صمت ثقيل على المكان ولم يجرؤ أحد على الدخول إلى دار العرض إلا ثلاثة أو أربع شبان هرولوا إلى داخل دار العرض بعد أن ساد الظلام بداخلها وكانت هذه هى المرة الأخيرة التى شوهدوا فيها على الاطلاق فلم يكرر أحد هذه الفعلة إلا بعدما وصلت قوات الشرطة التى فرضت حصاراً شديداً على المكان وأبعدت المحتشدين تماماً" ولمدة ثلاثة أيام متواصلة كان التعتيم على ما حدث هو سيد الموقف وكان التصريح الوحيد الذى أدلى به أحد المسئولين من الشرطة خلال هذه الأيام الثلاثة "أن الأمر ما زال فى إطار البحث والتقصى عن الحقائق وأن المكان سيظل مغلقاً لحين الوصول إلى نتائج" وبعد هذه الأيام الثلاثة خرج أحد المسئولين بتصريح مقتضب أشار فيه إلى أن الجهات المعنية تعتبر الأفراد الذين تواجدوا فى دار العرض هذه الليلة فى عداد المفقودين وأنها ستغلق هذه الدار تماماً وتمنع الدخول إليها مع مصادرة كل النسخ الخاصة بالفيلم المعروض وقتها ومنعها من العرض وكذلك ستمنع القائمين على هذا الفيلم من السفر لحين الوصول إلى نتائج نهائية فى هذا الشأن.
بعد شهر آخر من هذه الأحداث أغلقت جهات التحقيق هذا الملف وأمرت بهدم دار العرض وإعدام نسخ الفيلم واعتبرت أن ما حدث أمر لم تتمكن جهات التحقيق من جلاء سره، وهكذا أصبح الأمر من الأمور الغامضة التى لم تجد لها حلاً أبداً وإن كنت أعتقد أن هذا الأمر سيخلف من وراءه زوبعة تمتد لزمن بعيد قادم.
القاهرة 15 من أكتوبر 2013
عثر على هذه الأوراق ضمن مذكرات الصحفى المرموق (يوسف إسماعيل) بعد أن أبلغ ذويه عن اختفائه الغامض منذ عدة أيام ولا يزال التحقيق مستمراً حول واقعة اختفائه.

الأربعاء، 16 يوليو، 2008

امرأة فى الملابس السوداء

كعادتى اليومية انتظر خطيبتى أمام مكان عملها عند موعد انتهاء العمل لتوصيلها إلى المنزل حيث نسير يومياً بمحاذاة شاطئ النيل ونشترى بعض الطعام البسيط لنتناوله معاً ثم أوصلها إلى المنزل وبعدها أعود أنا إلى منزلى، فى رحلتنا اليومية كان هناك دائماً وفى نفس المكان على شاطئ النيل امرأة عجوز دائماً ترتدى الملابس السوداء، لم أكن ألحظ وجودها فى البداية لأنى حينما أكون بصحبة شريكة العمر القادم فأنا دائماً موجود فى مكان ما خارج نطاق هذا الكون لكن تكرار رؤيتها فى نفس المكان ونفس الموعد دائماً بدأ يلفت نظرى خاصة أنها دائماً ما تحمل زهرة حمراء تلقيها فى النيل قبل أن تنصرف من مجلسها اليومى ... دائماً نظراتها حزينة وتشعر فيهما بشيء غريب يجعلك تتعاطف معها رغماً عنك.
مرت أيامنا هانئة نسعى جاهدين أن نكمل ما ينقص بيتنا حتى نتزوج فى أقرب وقت ولكن هذا لم يغير من لقاءنا اليومى والذى أسعد به أيما سعادة حتى كان يوم من أيام الصيف معتدل الحرارة وتحيط بنا النسمات المحملة برائحة النيل والزهور النابتة على شاطئه بعد أن جلسنا فى مكاننا المعتاد وبدأت خطيبتى فى تجهيز السندويتشات التفتت إلى مكان المرأة المعهود فلم تكن هناك أخبرتنى بملاحظتها ولم أجدها غريبة ربما كانت هناك أسباب منعتها من حضورها اليوم وهذه الأسباب لا يمكن حصرها لكن خطيبتى ظلت تناقش الموضوع طويلاً ولا أدرى ما السبب الذى دفعها لتبدأ هذه المناقشة عن امرأة لا علاقة لنا بها ولا صلة تربطنا معها غير أن السبب الوحيد الذى رأيته هو فضول المرأة لا أكثر ومر يومنا المعتاد وعدنا فى اليوم التالى وكانت المرأة موجودة وما أن لمحتها خطيبتى حتى هرعت إليها تسلم عليها فى حماس كأنما يعرفان بعضهما جيداً ولم يتقابلا منذ مدة طويلة وراحت تخبرها كيف أننا كنا فى غاية القلق عليها يوم أمس وتساؤلنا عن سبب غيابها عن مكانها المفضل وكانت المرأة تبتسم فى رقة وهى ترد على حرارة السؤال بحرارة مماثلة "يا لهؤلاء النساء من يمكنه أن يفهمهن" ودعتها خطيبتى لتناول الطعام معنا وأصرت وألحت حتى قبلت السيدة فى خجل تلبية دعوتنا وأثناء الطعام بدأ وحش الفضول يلتهم عقل خطيبتى فدفعها إلى سؤالها عن سبب غيابها بالأمس فردت المرأة والحزن يملئ صوتها ويرسم ملامح وجهها أن بالأمس كان ذكرى وفاة زوجها وأنها ذهبت إلى المقابر لتقرأ له بعض آيات القرآن وتدعو له بالرحمة فشعرت خطيبتى ببعض الحرج جراء سؤالها فصمتت، لكن السيدة استدرجت الحوار عن سبب تواجدها اليومى فى هذا المكان تحديداً وبدأت أستار حياتها تنزاح أمامنا بالتدريج.

"منذ عقود مضت قابلت زوجى هاهنا للمرة الأولى فى صحبة بعض الأقارب والأصدقاء أثناء تنزهنا على شاطئ النيل وتولد بيننا الإعجاب منذ الوهلة الأولى وتحول بعد ذلك مع الوقت إلى حب عميق صادق توجناه بالزواج بعد أقل من عام ودام الحب بيننا طويلاً لم يعكر صفوه شيء أبداً حتى حينما علمنا أننا لن نتمكن من الإنجاب لم تتغير مشاعرنا أبداً وظلت السعادة ترفرف على حياتنا طوال العمر، كان زوجى رجلاً حنوناً دائم الرقة معى لم يمضى يوماً بيننا دون أن يمطرنى بعبارات الحب ولم يقصر أبداً فى وصف مشاعره الفياضة نحوى، وكان بين الحين والآخر يهدينى زهرة حمراء ونحن نجلس هنا فى نفس المكان، دائماً ما ينتهز الفرص ليثبت لى دائماً كم الحب الذى يحمله بداخله من أجلى، لا يتناول طعاماً بدونى أبداً، لا يأتيه النوم إلا ونحن فى نفس السرير، لم يعبر يوماً طريق ونحن معاً دون أن يتناول يدى فى يده بكل رقة ليساعدنى على عبور الطريق ويضع نفسه فى اتجاه السيارات ليحمينى من حماقات بعض السائقين معرضاً نفسه هو للخطر الذى يخشى على منه، كان زوجاً عظيماً، لا يخجل من أن يجهر بحبه لى أمام الناس أياً كان هؤلاء الناس، نظراته لى كان دائماً يملؤها الحب ويغلفها الحنان ويرسلها لى مصحوبة بعبارات الغزل الذى طالما افتن عقلى وقلبى، إنه الزوج الذى تحلم به أى امرأة فى العالم، نادراً ما عكر صفو حبنا أى شيء، لم ينسى يوماً مناسبة تخصنا ودائماً ما يتذكر أن يهنئنى بمرور عام على مولدى أو مرور عام على ذكرى لقاءنا الأول ودوماً مع يحتفل بذكرى زواجنا، أشعرنى طوال الوقت أنى مازلت عروساً فى شهر العسل نحيا نشوة الحب، كنت أهم عنده من أى شيء أو أى شخص، لم يخرج اسمى من بين شفتيه يوماً ما إلا مصحوباً بكلمة حب ونظرة حنان ولمسة عاشق، هذا هو الزوج الذى لم يمت فى قلبى حتى وإن مات جسده فى الدنيا، هذا هو الزوج الذى أعيش حياتى معه وحده حتى بعد أن سبقنى إلى الجنة، هذا هو الزوج الذى عشت معه فى حياته ومازلت أعيش معه بعدد رحيله، لهذا أعود كل يوم إلى نفس المكان الذى قابلته فيه للمرة الأولى"لم أتمكن أنا وخطيبتى من التعليق لعدة دقائق كم هو رجل مبهر فى حبه وكم هى سيدة مبهرة فى إخلاصها، كسر حاجز الصمت قبلة من خطيبتى على رأس هذه السيدة وهى تشكرها شكراً عميقاً أن منحتنا شرف معرفتها ومعرفة زوجها.

الثلاثاء، 8 يوليو، 2008

تاج الصداقة

أشكر الأخت العزيزة شهد الكلمات التى أهدتنى هذا التاج الذى ساعدنى على تعريفكم بى أكثر وأتمنى أن يكون هذا التاج سبباً فى ارتباط وثيق ينشأ بيننا أعزائى قراء وزوار المدونة الكرام.
وبدون إطالة فى الحديث هيا بنا لنتعرف أكثر على القلب المصرى.

س.اذكر أحلاما تخص ماضيك كنت ها تتخلى عن أية فيها وها تتمسك بأية لحد دلوقت ؟
ج . كنت بحلم أحلام مختلفة زمان ومحققتش منها حاجة زى مثلاً إنى أكون عالم فلك وبعدين غيرت رأيى وحلمت أكون مدرس إنجليزى وبعدين حلمت أكون مبرمج كمبيوتر وفى الآخر اشتغلت مسوق سياحى لمصر لدى الشركات السياحية بالدول الأوروبية وده خلانى اكتشفت إننا شكلنا وحش قوى بره مش زى ما كنا فاهمين إن مصر أم الدنيا وإننا بلاد 7000 سنة حضارة والكلام بتاع التليفزيون ده.

س. اذكر أحلام تخص مستقبلك ؟
ج . احلم أن يستمر الاستقرار الذى أنعم به فى حياتى الزوجية والحمد لله، احلم أن أربى ابنتى تربية صالحة قدر ما استطيع، احلم أن احقق نجاحاً فى عملى الحالى كمسوق سياحى وكذلك أحلم أن أرى مصر تتقدم بشكل حقيقى لا كما يدعى البعض.

س. اذكر شخصين متواجدين في حياتك كنت تتمني وجودهم من قبل ؟
ج . طبعاً وبدون تفكير كنت أتمنى أن أتزوج زوجتى الحبيبة قبل تاريخ زواجنا الفعلى بعدة سنوات إن أمكن وأن أرزق بابنتى (رقية) الأجمل فى الكون على الاطلاق مبكراً أكثر فقد امتلأت حياتى بهجة وسعادة واستقرار منذ أن عرفت هاتين الحوريتين وإنى لأحمد الله عز وجل على هاتين الهديتين العظيمتين وأشكر فضله علينا.

س. اذكر شخصين غير متواجدين في حياتك و تتمني وجودهم مستقبلا في حياتك و حياة اولادك؟
ج . إجابة هذا السؤال هى المستحيل ذاته فالشخص الذى أتمنى أن يتواجد مستقبلاً فى حياتى وحياة أودلاى ليكون لهم معلماً عظيماً هو أبى (رحمة الله عليه) ونظراً لأن الموتى لا يعودون للحياة مرة أخرى فهى أمنية مستحيلة التحقق إلا أن قلبى وعقلى لايزالان مرتبطان بهذا الرجل والذى عرف كيف يصنع رجالاً يفتخر بأنه انجبهم ذات يوم (ولا أتحدث هنا عن نفسى بل أتحدث عن أخوتى) "يمكنك أن تراجع بوست السنوات العجاف الأربع لتعرف إلى أى مدى ارتبطت بهذا الرجل العظيم".
أما الشخص الآخر الغير متواجد حالياً فى حياتى وأتمنى أن يتواجد مستقبلاً فهو أخ أو أخت لرقية ابنتى ليصبحا سنداً لبعضهما فى الحياة (هكذا علمنا أبى أن الأخوة سنداً لبعضهم فى مواجهة الحياة) أو زوج صالح لـ (رقية) يعرف كيف يعاملها المعاملة التى علمنا إياها رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.

ويشرفنى أن أهدى التاج إلى الأخ العزيز طارق الغنام صاحب مدونة (بورسعيدى) والأخت رؤية صاحبة مدونة (تنهيدة) ولو لم يكن التاج مهدى إلى شهد الكلمات من فارس بلا جواد لكن من نصيبه وكذلك الفارس الملثم لكن شهد سبقتنى إليه.

أشكر سعة صدركم وصبركم على قراءة التاج وتمنياتى لكم بحياة هانئة سعيدة.
"ملحوظة إلى فارس بلا جواد: يا رب يا دكتور يكون كلامى فى التاج مسح أثر "ست أبوها واسم النبى حارسه" الخاص بالزواج من رأسك وأن يكون تشجيعاً لك لتقبل على هذه الخطوة الجميلة وصدقنى إن أحسنت الاختيار ستكون أنت الرابح وتذكر قوله تعالى [ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون] الروم 21 ".
والسلام

الثلاثاء، 1 يوليو، 2008

الساعة

إنها الآن الواحدة صباحاً، ما الذى وضعنى فى هذا الموقف؟ … بعيداً عن بلدتى أجوب شوارع القاهرة بلا هدف … يحيطنى اليأس من كل مكان … حتى وجوه الناس التى تمر أمامى الآن تعلوها قسمات لم اعتدها على أوجه المصريين ... يبدو أن القاهرة لم تعد ترحب بزائريها هذه الأيام ... فقد فقدت حافظة نقودى فى اللحظات الأولى التى صافحت عينى فيها سماء القاهرة ... ومن بين ما فقدت الورقة المدون بها عنوان خالى الجديد ورقم هاتفه ... وبذلك أصبحت حبيس شوارع القاهرة... أصبحت القاهرة أكثر ازدحاما مما سبق ... الضوضاء فى كل مكان حتى بعد أن تجاوزت الساعة الواحدة صباحاً ... ألا ينام أهل القاهرة أبداً ... قررت الاتصال بمنزلى كى أحصل مرة أخرى على رقم هاتف خالى عله يخرجنى من هذا المأزق ... لكن عامل مكتب الاتصالات رفض بتهذيب شديد مغلف بحدة وحزم لأننى لا أملك نقوداً للاتصال ... ذهبت مشياً إلى المنطقة التى يسكن بها خالى من خلال ما بقى فى الذاكرة من الورقة المسروقة ... كانت بعيدة ولكننى احتملت آلام السير علنى أجد الفرج فى النهاية ... حينما وصلت إلى الحى اكتشفت أنه أكبر من قريتى كلها عدة مرات تذكرت والدى المريض وهو يرجونى ألا أذهب إلى القاهرة وأتركه وحيداً مع ابنى الصغير ... كانت رحلتى إلى القاهرة هى الأمل الوحيد لتدبير مبلغ ولو بسيط لشراء دواء لأبى وطعام لأبنى ... ولكن النتيجة أننى الآن لا أملك عنوان خالى أو رقم هاتفه، لا أملك نقوداً للعودة ولا أدرى ماذا أفعل؟ ... الساعة ... إنها الآن الثانية صباحاً ... الساعة ... نعم هى الحل الوحيد الآن ... لكنها من نوع رديء ولا تساوى شيئاً ... لا شكراً ... لا أتعامل فى هذا النوع ... لا تصلح للبيع ... عفواً ... كلمات عدة تحمل نفس المعنى كما لو أن كل أصحاب محال الساعات تآمروا على حالتى ... بقيت الساعة فى يدى وعقاربها تتقافز فى سرعة كأنها تخرج لى لسانها ... قررت أن أبيعها للمارة ولو بثمن بخس ... صوت أبى يملئ أذنى يا بنى لا تسافر ... قسمات وجهه تتألم فى صمت تحفزنى أكثر كى أسافر ... صغيرى وهو يتضرع أن أصحبه معى ... دموعه تملئ عينيه ... المارة لا يكترثون لندائى ... أنين أبى ... بكاء طفلى ... صوت عقارب الساعة ... خطوات الناس على الطرقات ... نظرات شفقة لا احتملها ... نظرات تعاطف لا تجدى ... ابتسامات هازئة تقتلنى ... حتى هؤلاء الطيبين الذين أرادوا مساعدتى كانت نظراتهم تشك فكانت مساعدتهم مجرد كلمات مواساة ... هل مازال طفلى يبكى ... هل بكائه الآن من الجوع أم لرغبته فى مصاحبتى ... الجميع يرفض شراء الساعة ...أو ربما لايملك أحد ثمنها الزهيد ... فلأعبر إلى الجهة الأخرى من الطريق ربما كان المارة هناك أفضل من هنا ... أبواق السيارات المسرعة جعلتنى أتراجع ... أصوات شباب ضاحكة تعلو ... هل أجد بينهم مشترى ... هرولت إليهم ... كانت رائحة الخمر تفوح من أفواههم لكننى كنت أفكر فقط فى نقود العودة ... هل من مشترى لهذه الساعة ... الساعة ؟ هاهاهاها ... الساعة كام على باب السيما الساعة كام ... أرجوكم لا تسخروا منى أنا فى حاجة لثمنها ... لماذا هل منعتك أمك المصروف اليوم ... ضحكاتهم تعلو ومعها ضغط دمى ... توجهت نحو أحدهم ... من فضلك اشترى هذه الساعة ... تلتهب نظرات السخرية فى عيونهم ... تلتهب أعصابى ... لكننى أحاول مجدداً ... إنها رخيصة ولن تكلفكم الكثير ... هيا اذهب من هنا، تباً لكم أيها النصابون هكذا قال أضخمهم وهو يدفعنى بعيداً ... كانت يده قوية ... لم أتمالك نفسى ... أندفع إلى الوراء ... حافة الرصيف تهرب من تحتى ... أسقط أرضاً وأنا أبكى من داخلى ... أبى كيف أنت الآن ... أحاول أن أتشبث بأى شيء ... طفلى هل أكلت أم لا ... ارتطمت بالأرض ... يا بنى لا تسافر ... تطير الساعة من يدى ... أراقبها وهى تعلو ... ثمن الدواء غالى ولا أملك النقود ... الساعة تهبط بسرعة إلى الأرض ... نفد الطعام من البيت وصغيرى لا يصبر على الجوع ... ترتطم الساعة بالأرض ... بكاء طفلى يحتل أذنى ... تتناثر الساعة قطعاً صغيرة أمام عينى ... أنين أبى يعلو ... تمر سيارة مسرعة فوق الباقى من قطع الساعة.
كان اليأس يمزق قلبى ... جلست على حافة الرصيف واضعاً رأسى بين كفى ... رغم عنى انهمرت دموعى فى صمت ... يد تربت على كتفى ... وجه مبتسم يملئه النور ... كان شاباً هادئ القسمات ... سألنى عن قصتى وأجبته ... دعانى للعشاء وصاحبنى حتى محطة القطار ... حينما صافحته لأودعه وأشكره دس فى يدى ورقة مالية من فئة كبيرة ... حاولت أن أشكره على الأقل ... ابتسم وانصرف ... عائداً الآن إلى بيتى مع نسمات الفجر ... فى يدى دواء أبى وطعام ولدى ... بداخلى قرار أن أرد الجميل ... لكننى لا أعرفه ولا أعرف عنوانه ... لكن يمكننى رد الجميل بمساعدة الآخرين فى مواقف المحنة قدر استطاعتى ... طفلى ينتظر فى الشباك ما أن رآنى حتى هرول إلى مبتسماً ... ارتمى فى أحضانى ... حملته إلى الدار ... صوت أبى يدعو لى بعد أن صلى الفجر.