الخميس، 25 سبتمبر، 2008

الصراف



أعمل صرافاً بأحد البنوك ... عمل صعب يتطلب كثيراً من الصبر وكثيراً من التفهم لمشاكل العملاء ... أقصى مشاكل عملى هى عميل غاضب أو عجز فى العهدة، لكنها مشكلات يمكن مواجهتها بالصبر والتركيز ... صباح اليوم كانت أمى تناشدنى ألا أذهب إلى العمل لأنها لا تشعر بخير بسبب انقباض قلبها ... بالطبع أنا أحترم أمى لكن قلبها الغير مطمئن لن يكون مبرراً كافياً أمام رؤسائى إذا تغيبت عن العمل اليوم ... , ورغم أنى أحرص على البر بها وطاعتها لكنى لم استطع هذه المرة وذهبت إلى العمل ... مضى جزء من اليوم كغيره من الأيام ... من جاء ليودع مالا تحسبا لتقلبات الزمان ... وآخر جاء ليسحب من مدخراته ربما كان لجهاز ابنته أو شبكة ابنه ... وهذه جاءت لتسأل عن تحويل زوجها الذى يحترق بنيران الغربة ملقيا على كاهلها مسئولية الأطفال ... إن عملى كصراف يجعلنى أرى المجتمع كله ... واليوم يمضى حتى قارب على منتصف النهار تقريباً ... أصوات جلبة قادمة من ناحية باب البنك ... الجميع يهرول مذعوراً حتى رجال الأمن يحاولون الفرار ... لقد اقتحم ثلاثة لصوص البنك يحاولون سرقته ... يحملون بعض الهراوات والأسلحة البيضاء ويضربون بها من يقف فى طريقهم ... عصبيون ومزاجهم حاد ككل شيء فى أيامنا هذه ... أخجل أن أقول أنى سارعت بالاختباء كغيرى تحت مكتبى ... لكنها غريزة البقاء التى تدفعك للحفاظ على حياتك ... أو هو الخوف من المواجهة والذى أصابنا جميعا منذ عقود ... أصوات اللصوص تعلو وهم يحيطون بالجميع ويأمرونهم بالتحرك إلى أحد أركان المكان ... يجولون فى المكان بسرعة ليجمعوا رهائنهم ... صوت غاضب يأمر أحد موظفى البنك بإحضار النقود لهم من خزينة البنك ... أصوات بعض الرهائن يئنون لابد وأنهم آذوا البعض ... أتصبب عرقاً ويقتلنى التوتر ... ترى كيف ينتهى هذا الموقف ... لست راضياً عن هروبى تحت المكتب ... لكن الجميع حاول الهروب ... تحت مكتبى زر إنذار ككل المكاتب الأخرى ... هل أغامر واضغطه؟ ... ماذا لو اكتشفوا أمرى ؟ ... هل سيقتلوننى انتقاما لهذه الفعلة ؟ ... وماذا لو أنهم رأونى مختبئاً ولو لم أضغط زر الإنذار؟ ... أعتقد أن المصير واحد فى النهاية ... فلماذا لا أحاول إذن؟ ربما كان هذا هو الحل السليم ... مدت يدى إلى الزر ... تراجعت ... لست أدرى ما السبب ... عاودتنى الأفكار المرعبة من جديد ... ربما لن يقتلوننى بسرعة وعذبونى أولاً بدافع الانتقام ... أو نلت جزاءاً أقسى لأكون عبرة للآخرين ... أو قد يجعلوا منى درعاً أمامهم إذا ما حدث تبادل لإطلاق النار ... ماذا أفعل الآن؟ ... هل أظل قابعا هكذا تحت مكتبى وأنا أرتعد من الخوف ؟ ... وهل من الشرف أن أموت جباناً ؟ ... الجبناء يعيشون أطول لكنهم يعيشون أذل ... والشجعان قد يموتون سريعاً لكنهم يموتون شرفاء مرفوعى الهامة والمقام ... تذكرت الآية الكريمة "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" ... ذكرت الله ورجوته أن يكون معنا ... رجوته من قلبى بصدق ... استعنت به وضغطت الزر ... أثار صوت الإنذار غضباً هائلاً بين اللصوص وأخذوا يبحثون فى كل مكان عن مطلق الإنذار حتى صاح أحدهم مشيراً إلى مكانى تحت المكتب ... لم يصيبنى الاضطراب لكننى لست أدرى ماذا أفعل وهم يهرولون نحوى ... نظرت بسرعة عن مكان آخر قد أحتمى به ... وجدت بجوارى طفاية الحريق فلذت بها ... حينما اقترب منى اللصوص تناولت الطفاية وهددتهم بها ... حاول أحدهم أن يختبئ ... ففتحت الغاز فى وجوههم ... أصابهم الاختناق بالغاز ... هرول الرهائن محاولين الهرب ... لكن بعضهم تمسك ببقايا من شجاعة وهاجموا اللصوص واستطاعوا السيطرة عليهم وشل حركتهم وتجريدهم من أسلحتهم ... واستعدنا السيطرة على الموقف مرة أخرى ... فيما بعد قال لى الضابط المكلف بالتحقيقات جملة ظلت فى ذاكرتى زمناً طويلاً بعد ذلك ... كانت هذه الجملة هى ... حقاً إن رجلاً واحداً ... رجلاً حقيقياً قد يحدث فرق.




ملحوظة: فكرة القصة مستوحاة من واقعة حقيقية حدثت بتايوان



الثلاثاء، 16 سبتمبر، 2008

الاعترافات



صرخات تتعالى من حولها ... البعض يهرول والبعض يحاول الاقتراب والبعض أصابه الذهول ... مازالت المدية بيدها مخضبة بالدماء ... وجثمانه مسجى أمامها وقد نزف حتى الموت.

* - * - *

كلماته المعسولة انتزعت قلبى من مكمنه ليصبح أسيراً لديه ... سلمت مشاعرى له بأسرع مما تخيلت أن يحدث ... كانت رقته وحنانه ملاذاً لى من لطمات الحياة القاسية فكان حبه لى الملجأ الذى أنعم فيه بالراحة.

* - * - *

نظرت إليها وهى تجلس بالقرب منه ووجهها يشوبه الهدوء ... أمر غريب أن تكون قاتلاً ويرتسم على وجهك كل هذا الهدوء ... عاينت مسرح الجريمة واتخذت الإجراءات المعتادة.

* - * - *

كان موعد لقائه هو العيد الذى أنتظره ... نظراته ... كلماته ... همساته ... كلها كانت الدواء الذى يشفى جروح عمرى بأكمله.

* - * - *

اقتادها الجنود إلى القسم لتعرض أمامى لأخذ أقوالها فلم تقاوم بل كانت هادئة تماماً ... نظرت إلى وهى تسير بينهم وكانت عينيها بلا حياة.

* - * - *

تزوجنا ... كانت قمة السعادة تحت أقدامى.

* - * - *

جلست أمامى صامته وأنا أحاول أن أحصل منها على كلمات أتمم بها أوراقى.

* - * - *

مر العام الأول على زواجنا فقررت أن اشترى له هدية لأفاجئه بها الليلة ... لمحته يقود سيارته وبجواره امرأة أخرى يتضاحكان وهى تميل على كتفه... تتبعتهما بسيارة أجرة.

* - * - *

ظلت مصرة على الصمت وأنا أحاول أن أشرح لها مساوئ ذلك على موقفها بالقضية ... كم هى محيرة وغامضة هذه القاتلة ... لماذا تصر على الصمت ... لماذا تكتسى ملامحها بالهدوء.

* - * - *

توقفت سيارته أمام إحدى الفيلات بحى هادئ على أطراف المدينة ... هبطا معاً وسارا متشابكى الأيدى حتى باب الفيلا ... فتح الباب وتبعها إلى الداخل وهو يبتسم.

* - * - *

قررت أخيراً أن تتكلم ... وجلست استمع إلى كلماتها وكلى شغف لسبر أغوار الحقيقة.

* - * - *

تسللت داخل أسوار الفيلا ... رأيتهما فى الردهة متعانقان ... غامت الدنيا فى عينى وهو يقبلها ... شعرت بدوار شديد حينما حملها على ذراعيه وصعد بها السلم الداخلى.

* - * - *

بدأت الحديث بكلمات غير مفهومة بعد أن احتل البكاء صوتها وملئت الدموع وجهها... حاولت تهدئها حتى أفهم ما تقول.

* - * - *

عدت إلى المنزل فى حالة انهيار تام ... حينما سمعت صوت سيارته يقترب هرولت إلى باب العمارة وانتظرت خروجه من السيارة.

* - * - *

أخيراً بدأت الحكاية ... وكان كلامها كله بعيد عن الجريمة التى ارتكبتها.

* - * - *

ما أن هبط من السيارة حتى اقتربت منه وأنا أسأله عنها ... أجابنى ببرود إنها زوجتى الجديدة وعليك أن تتعايشى مع ذلك.

* - * - *

كانت تحكى عنه فقط وبدأت الحكاية قائلة ...

كلماته المعسولة انتزعت قلبى من مكمنه ليصبح أسيراً لديه ... سلمت مشاعرى له بأسرع مما تخيلت أن يحدث ... كانت رقته وحنانه ملاذاً لى من لطمات الحياة القاسية فكان حبه لى الملجأ الذى أنعم فيه بالراحة.

* - * - *

أخرجت من بين ملابسى سكين المطبخ وانهالت عليه الطعنات.

السبت، 6 سبتمبر، 2008

فى محطة القطار



أقف الآن على رصيف محطة القطار ... الساعة تشير إلى دنو لحظة الرحيل، لكن ... لماذا أرحل؟ ... هل هو حلم تحقيق الطموح؟ أم إنه هروب من أمر ما؟ ... لماذا رفضت أن تصحبنى فى رحلتى؟ ... هل ستأتى لتودعنى؟ ... باقى خمس دقائق وأسافر ... كان خلافاً يمكن تجاوزه ولا مبرر لسفرى الآن ... تحقيق الطموح ممكن أن يحدث فى أى مكان ... هى فقط لا تطيق فكرة السفر وتخشى التغيير والمغامرة ... أحلم أن أحقق أفضل أحلامى ... لماذا يجب أن أرتبط بهذا المكان إلى الأبد؟ ... لماذا لا أجرب حظى فى مكان آخر وأحصل على فرصة أخرى ... هى ترفض أن نبتعد وترفض أن أسافر ... فلماذا أتخلى أنا عن أحلامى وترفض هى أن تتخلى عن مخاوفها ... باقى أربع دقائق ... أتخيلها قادمة من بعيد تهرول نحوى حاملة حقيبتها ... مبتسمة ... عيناها تقولان لى "لن أتركك وحدك" ... لن أحتمل الحياة بدونك ولهذا سأحتمل التغيير بجوارك ... نعم ... فبجوارها ممكن أن أتحمل فشل التجربة لكن بعيداً عنها قد لا أفرح بالنجاح ... صوت الباعة الجائلين وهم يتجادلون على الأسعار مع المسافرين يعلو ... أنظر إلى ساعة المحطة ... كم هى كبيرة ... كم من العيون نظرت إليها من قبل؟ ... ترى من منهم عاد ومن منهم غادر إلى الأبد؟ ... كم منهم وصل سالماً؟ وكم منهم لم يصل إلى مبتغاه؟ ... باقى ثلاث دقائق ... كان من الممكن أن نجد حلاً وسطاً لكن العناد سيطر على عقولنا ... هل ستأتى على الأقل لتودعنى؟ ... تقترب نحوى ببطء والحزن يعلو وجهها ... تحمل فى يدها باقة من أزهارى المفضلة لأحتفظ بواحدة منها بين طيات كتاب لتذكرنى بها فيما بعد ... تطلب منى ألا أنساها ... أن أعود إليها فى أقرب وقت لنكمل معاً رحلة الحياة ... توصينى ألا أنظر لغيرها ... أن أحفظ عهدها ... أن أصونها فى قلبى ... باقى دقيقتان ... صيحات الوداع تتعالى من حولى بتحرك قطار آخر ... دمعات تذرف ... ضحكات تعلو ... نظرات ... بسمات ... باقى دقيقة ... لماذا لا تأتى؟ حتى لو تعاتبنى على رحيلى ... على تركى لها ... عيناها تحمل دمعاً لفراقى ... أيهما أفضل لى أن أسعى وراء حلم ... أم أتمسك بما حصلت عليه فعلاً؟ ... لو أنها وافقت على السفر معى ... لكنت الآن فى أسعد لحظات حياتى ... صوت يعلن اقتراب القطار من المحطة ... تعلو صيحات الحمالين وهم يجولون بين المسافرين لحمل حقائبهم ... كان من الممكن أن أقنعها ... أو أبقى معها ... بدونها اللحظات لا قيمة لها ... الحياة بدونها ستكون بلا قيمة ... نعم أنا أحبها جداً ... لكن أحلامى !! ... صوت صافرة القطار يعلن وصوله إلى رصيف المحطة ... يبدأ المسافرون فى الركوب ... والقادمون فى النزول ... عبارات الوداع ... عبارات الترحيب ... أحضان اللقاء بعد الغياب الطويل ... سلام الوداع ولا أحد يدرى إن كان الوداع الأخير أم أن اللقاء قريب ... حمال يسألنى هل يحمل حقائبى ... أثق أنها قادمة ... ربما كانت الآن أمام المحطة مترددة فى المجيء ... ألا أحظى بفرصة رؤيتها قبل الرحيل؟ ... ألا نحظى معاً بلحظة خاصة؟ ... صوت الحمال يعيد سؤاله؟ ... ضجيج المسافرين والمودعين يملئ أذنى لكن همساتها تأخذنى منهم ... عيناها تسحرنى بعيداً عما حولى ... صوت الحمال يلاحقنى "يا أستاذ القطار من هذا الاتجاه ... حقائبك يا سيدى!!!" ... وجدتها أمام محطة القطار ... كانت تحمل باقة الزهور ... وفى اليد الأخرى حملت تذكرتين للقطار التالى.