الخميس، 23 يوليو، 2009

الصفعة

نظراته الوقحة إلى تفاصيل جسدها تؤلم روحها وتهين كرامتها، تشعرها أنها مجرد جارية فى سوق الرقيق تنتظر قرار السيد إن كان يرغب فى شرائها أم لا ... إن كانت ترضى رغباته أم لا ... تتوقع أن يمد يده يتحسسها مثلما كان يفعل المشترون فى أسواق الرقيق فى تلك العصور الغابرة ليتأكد من جودة البضاعة التى يرغب فى شرائها ... ليس لمجرد أنه تقدم لشرائها (أو تأدباً تقدم لخطبتها) أن يكون له الحق فى هذه النظرات الوقحة ... مازالت ذاكرتها تتمسك بموقف حدث لها فى المترو وتأبى أن تنساه ... نفس النظرات المقتحمة لأسرار جسدها ... نفس النظرة النهمة التى توحى بجوع جنسى ولا توحى مطلقاً بالاحترام أو الإعجاب ... هى فى نظرهما مجرد جسد مناسب لإفراغ الشهوة المؤقتة فى داخله ... نظراته لا توحى بأنه جاء ليختار إنسان يشاركه الحياة المقبلة ... بل جاء ليختار جسداً يشاركه الفراش الخاوى ... والذى ربما دنسه من قبل بعرق العاهرات مادام لا يجد فى المرأة سوى جسد يقضى فيه حاجته ثم يلقيه مغادراً إلى جسد آخر ... كانت تتمنى أن تصفع راكب المترو على عينيه التى تنتهكها ... أن تصرخ فى وجهه إنها إنسان ... يشعر ... يرغب ... يتألم ... يرفض ... يفكر ... يختار ... وأن تكون صرختها فى وجه كل هؤلاء العابثين الذين لا يرون فى المرأة سوى جزء من جسدها ... لكن تأدبها وخجلها ونظرة المجتمع الأحمق والذى حتما سيحملها المسئولية رغم أنها محتشمة وتمشى فى أدب وتتكلم فى وقار ولا توحى أبداً بدعوة الرجال إلى انتهاك حرمتها كل ذلك جعلها تتراجع ... يمد يده ليتناول قطعة من طبق الفاكهة الموضوع أمامه ... يلتهمها بعينيه كما يلتهم الآن الفاكهة المسكينة التى حكم قدرها أن ترقد فى معدة هذا الرجل ... يعتصرها فى أمعائه ثم يلقى بقاياها بقرف وهو يستخدم دورة المياه ... يبتسم لها ابتسامة ذات مغزى ... نفس ابتسامة راكب المترو والتى توحى بالخطر ولا تبث الأمان ... والتى تخبرها أن الرغبة فقط هى المحرك ولا تهم المشاعر والاحترام والأحاسيس ... أن بوصلته هى الفراغ الجنسى وليس الفراغ العاطفى ... أن مراده هو الجسد وليس الروح ... استأذن والدها ليتركهما من أجل حديث التعارف ... كانت تتمنى ألا يفعل وأن يبقى بجوارها ليحميها من هذا الوقح ... كان يتحدث بلا انقطاع ... لم تنتبه لحديثه فقد كان ذهنها مشغول بكيفية الهروب منه خاصة بعدما انتقل من المقعد المواجهة لها إلى المقعد المجاور ... شعرت برغبة فى الانكماش داخل مقعدها ... حاول أن يلمس يدها ليضع بين أصابعها رقم هاتفه ... لكن اهتزازات المترو أنجتها من المحاولة فكان رد فعلها أن غادرت إلى الرصيف وهى تحاول الفرار وتشعر بنظراته تخترق ظهرها ... لكن هذه المرة لا يوجد ما ينقذها من هذه اللمسة المقززة لها ... سحبت يدها فى سرعة ... ابتسم وهو يظنها تخجل منه ونظر لها نظرة أخرى ... شعرت بها كأنها نظرة الذئب الذى يسعد بمقاومة ضحاياه لأنها تمنح طعامه نكهة أجمل لأن النصر يصبح له قيمة أكبر كلما كانت مقاومة الضحية أشرس ... مد يده مرة أخرى ليمسك أطراف أناملها ... لكن هذه المرة تمسكت بشدة بفلول شجاعتها الهاربة لتلقى على وجهه الصفعة التى تمنت أن تكون على وجوه كل الرجال الذين لا يحترمون عقل المرأة أوشعورها ولكن يرغبون فى جسدها لمجرد أنه جسد أنثى.